خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 29 جمادى الأخرى 1442 هـ

الجمعة 29 جمادى الآخرة 1442

الخطبة الأولى:

نتابع في هذه الخطبة موضوع الوقاية من الأمراض، وكما عرفتم أن لهذه البحوث علاقة بحياتنا المادية، وبما أن العلاقة بين الجسد والروح علاقة وطيدة علينا أن نهتم بصحة أجسادنا كما نهتم بصحة أنفسنا وأرواحنا.

ويمكن أن تتم الوقاية بأسباب معنوية – إضافة إلى حاجتنا للوقاية بأسباب مادية – فيقول النبي (صلى الله عليه وآله): “إِنَّ الله لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَدْفَعُ بِالصَّدَقَةِ الدَّاءَ ” (الكافي، ج4، ص5) فالصدقة تدفع المرض، ما هو السر في ذلك؟ نحن لا نعلم إذ تغيب عنا بعض الأمور ونعرف بعضها الآخر، ويطّلع عليها أهل البيت (عليهم السلام) لما لهم من علمٍ لاتصالهم بمنبع الوحي، والله سبحانه قد علمهم. وقد جربنا هذه التعليمات في حياتنا وتعلمنا منهم أن نتصدّق لندفع الأمراض عن أجسادنا، فالصدقة إذاً سبب معنوي للوقاية.

ولكن أذكر هنا أسباباً صحية مادية للوقاية من الأمراض؛ منها أن الإنسان إذا كان بيده شيء من الدسم وبقي على جسده ولم ينظفه ولم يغسل يديه وبات على هذه الحال أضرّ بصحته، وقد أخبرنا بهذا النبي (صلى الله عليه وآله) إذ يقول: “لا يَبيتَنَّ أحَدُكُم ويَدُهُ غَمرَةٌ، فإن فَعَلَ فأصابَهُ لَمَمٌ لِلشَّيطانِ فلا يَلُومَنَّ إلّا نَفسَهُ” (أمالي الصدوق، ص707) والغمرة هي الدسم، وقد فسر بعض العلماء الشيطانَ في مثل هذه الروايات بالجراثيم التي اكتشفها العلماء قبل أكثر من مئتي سنة، والنبي (صلى الله عليه وآله) يخبر عن هذه الظاهرة قبل أربعة عشر قرناً.

وللنبي (صلى الله عليه وآله) له حديث مشهور أصبح يُتداول بيننا كَمَثلٍ إذ يقول : “الحِمْيَةُ رأسُ كُلِّ دَوَاءٍ” (مستدرك سفينة البحار، ج3، ص389)، والحمية بمعنى أن تمنع نفسك وجسدك من أي ضرر، يعني أن تراقب جسدك، هذا للوقاية من الأمراض، ونلاحظ اليوم شعاراً لمنظمة الصحة العالمية يقول أن الصحة أفضل من العلاج وأن الوقاية أفضل من العلاج.

وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “قِلّةُ الأكلِ تمنعُ كثيراً مِنْ أَعلالِ الجَسَد” (إرشاد القلوب، ص201)، هذه نصيحة من مولانا الأمير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) يعني بها الوقاية للمعدة والأمعاء والجهاز الهضمي بِقِلّة الأكل.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): ” تَوَقَّوا الْبَرْد  فِي أَوَّلِهِ، وَتَلَقَّوْهُ فِي آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ فِي الْأَبْدَانِ كَفِعْلِهِ فِي الْأَشْجَارِ، أَوَّلُهُ يُحْرِقُ وَآخِرُهُ يُورقُ” (نهج البلاغة، الحكمة، 125) وأول البرد يكون في الخريف وآخره البرد فصل الربيع، فعليك أن تتقي من البرد الأول وأن تتلقى البرد الثاني يعني البرد الآخر وهو برد الربيع، ذاك النسيم العليل الذي يستأنس الإنسان بالتعرض لمثله ولا يشمئز منه الطبع.

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “تقليمُ الأظفارِ والأخذُ مِنَ الشارِبِ مِنَ الجُمُعةِ إلى الجُمُعةِ أمانٌ مِنَ الجُذام” (مكارم الأخلاق، ص64)، وهذا مورد ومصداقٌ خاصٌّ، فلا تحسبوا أنه في جميع الأحيان هذا يفيد للجذام فقط، بل تقليم الأظفار يقي جسدك من كثير من الأمراض؛ لأن الجراثيم تجتمع تحت الظفر، فإذا كان الظفر مقلّماً هذا لا يضر بصحتك لأن الجراثيم لا تجتمع، وهناك منافع أخرى كثيرة مترتبة على هذه السنة النبوية الشريفة.

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ” ألبانُ البَقَرِ دواءٌ، وسمونُها شِفاءٌ، وَلُحُومُها داءٌ” (وسائل الشيعة ج 25 ص 44) لكن لحومها ليست داء للجميع، بل ربما تقبلها بعض الأبدان وترفضها بعضها، فهذه النصائح موجهة إلى بعض، فيجب أن نعرف بأي موقف قال الإمام هذا، وبخصوص ألبانها فالعلماء متأكدون أن ألبان البقر فيها منافع كثيرة للجميع وهي دواء.

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “تَركُ العَشَاءِ مَهْرَمَة، وينبغي للرَّجُل إذا أسنَّ ألاَّ يبيتَ إلاَّ وجوفُه مُمتلئٌ مِن الطَّعام” (الكافي، ج6، ص288)، أي أن تركهُ سببٌ للهرم والشيخوخة العاجلة، ولا تظنوا أن هذا الحديث يوصي المشايخ والمعمرين والمسنين بأن يملؤوا بطونهم حتى يبلغ الطعام الحلقوم، بل لأن الـمُسِنَّ أكله خفيف عادةً ولا يميل إلى الطعام كثيراً، لذلك يوصي ألا يبقي جوفه فارغاً لأنها هذا يضر بصحته أكثر من الضرر الذي يتحمله الشاب من فراغ المعدة والأمعاء.

وقال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “إياك وشرب الماء البارد في الحمام فإنه يفسد المعدة” (وسائل الشيعة، ج2، ص44) وكان أمير المؤمنين (ع) يقول: “ألا لا يَستَلقِيَنَّ أَحَدُكُم في الحمّام فإنّهُ يُذِيبُ شَحمَ الكِليَتَين” (وسائل الشيعة، ج2، ص54) فهذا الشحم يحافظ على سلامة الكلية، ويقابل ذلك المنهي عنه في زماننا الحالي الاستلقاء طويلاً في حمامات “ساونا”.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في آداب الاستحمام: “وصُبَّ الماءَ الباردَ على قدميكَ إذا خرجتَ، فإنّهُ يَسلُّ الداءَ من جَسَدِكَ، فإذا خَرجتَ من الحمّامِ ولبستَ ثيابك فقل: اللهمَّ ألبِسني التقوى وجنّبني الرّدى، فإذا فعلتَ ذلكَ أَمِنتَ من كلِّ داء” (بحار الأنوار، ج73، ص77). عندما يذكر أهل البيت (عليهم السلام) آداباً مادية يذكرون إلى جانبها أدباً معنوياً لتربية النفوس ولتربية الروح، هكذا يعلموننا أسلوب الحياة؛ كيف نربي أنفسنا وأرواحنا لتكون حياتنا حياة طيبة.

وروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “… خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من الحمّام فتلبّس وتعمّم فقال لي: إذا خرجتَ من الحمام فتعمم، قال: فما تركتُ العمامة عند خروجي من الحمام في شتاء ولا صيف” (وسائل الشيعة، ج2، ص54) فهذه الوصية تكون للشتاء والصيف لا فرق بينهما، لأنك تدخل في الحمام في مكان حار وعندما تخرج تختلف درجة الحرارة عن الداخل وهذا يؤثر على الجسم.

قال موسى الكاظم (عليه السلام): “الحمّامُ يومٌ ويومٌ لا، يُكثِر اللحمَ، وإدمانُهُ كلَّ يومٍ يُذيبُ شَحمَ الكِليَتَين” (مكارم الأخلاق، ص53)، وقال الإمام علي الرضا (عليه السلام) “وَمَنْ أَرادَ ألّا يَشتَكي مَثَانَتَهُ فلا يَحبِس البولَ وَلَو على ظَهرِ دابّتهِ” (طب الإمام الرضا، ص35). من خلال هذه الوصايا والتعليمات – إن شاء الله – سنجد أسلوب الحياة كما علمنا القرآن والنبي وآله صلى الله عليه وآله وسلم.

الخطبة الثانية:

نحن في أجواء أيام ذكرى انتصار الثورة الإسلامية المجيدة بقيادة الإمام الراحل آية الله العظمى الإمام الخميني رضوان الله تعالى أود أن أذكر ذكرى مؤلمة عندما كنا أطفالاً، وكان بعضُ الإخوة والأخوات الإيرانيين ممن رزقهم الله حج البيت الحرام يشتكون من بعض الناس الذين كانوا يشتمونهم ويعيرونهم ويحسبونهم على النظام الشاهنشاهي الخبيث البائد، وكانوا يشيرون إليهم بالبنان ويقولون لهم “أخ اليهود” لأنهم كانوا آنذاك يعرفون أن النظام المسيطر على الشعب الإيراني هو أخ لليهود يساعدهم ويمولهم بالمحروقات والوقود للطائرات الحربية الإسرائيلية، هذا كان ما يعلمونه، ولكن ما كانوا يعرفون أن الشعب الإيراني يكره الكيان الصهيوني ويُعذَّبُ في سجون الشاه لمعاداته إسرائيل.

وللأسف الشديد بعض الناس الذين كانوا يوجهون هذه التهمة نراهم منهم من لا يستحي أنه ينسب نفسه إلى العرب – والعرب يلعنونهم لأنهم شوهوا سمعة العرب وهم ليسوا بعرب ولا برجال بل هم أشباه رجال – يرضخون أمام الصهاينة ويريدون التطبيع، هؤلاء يطبقون نفس ما كان يريد الشاه المقبور تطبيقه.

 سمعتُ أن مشروع مد الأنبوب من ميناء إيلات إلى عسقلان الذي كان من المفروض أن ينفذه النظام البائد في إيران – نظام محمد رضا الخبيث – يريد الإماراتيون إحياءه وتنفيذه، فهؤلاء الآن إخوة اليهود وعبيد الصهاينة، وهؤلاء وصمة عار على جبين المجتمع العربي، والحمد لله العرب كلهم يعلنون البراءة من هؤلاء الخونة المطبعين، وسورية شعباً وحكومةً يتبرؤون من هؤلاء الخونة.

لقد جاء الإمام الخميني بثورة غيّرت وجه هذه المنطقة، وهذه الثورة هي العدو لهؤلاء الصهاينة، فلذلك يقولون إن أعدى أعدائنا إيران، ويريدون أن يغيروا عقلية المسلمين كما هم يتخيلون، ويريدون أن تسايرهم الأمة الإسلامية في هذه العقلية.

نعم نحن وثورتنا أعداء للصهاينة ولكن الأمة الإسلامية والعرب بأجمعهم هم أيضاً أعداء للصهاينة، فإذاً فليعرف العرب أننا إخوة نحن الفرس والإيرانيون وغيرنا من غير العرب الذين تنبض قلوبهم بحبّ الأقصى الشريف هؤلاء كلهم إخوة للعرب وأعداء لإسرائيل.

أود أن أبكر بتقديم التحيات والتبريكات والتهاني بمناسبة حلول شهر رجب الشريف رجب الأغر، وأقرأ بعض الأحاديث وأكتفي – إن شاء الله – في هذه الخطبة بهذه الكلمات النيرة عن أهل البيت (عليهم السلام).

“عن أبي رمحة الحضرمي قال سمعت جعفر بن محمد بن علي (عليه السلام) يقول: إذا كان يومُ القيامة نادى منادٍ من بطنان العرش أين الرجبيون؟ فيقوم أناسٌ يضيء وجوههم لأهل الجمع، على رؤوسهم تيجان الملك مكللة بالدر والياقوت مع كل واحد منهم ألف ملك عن يمينه وألف ملك عن يساره، يقولون هنيئاً لك كرامة الله عز وجل يا عبد الله، فيأتي النداء من عند الله جل جلاله عبادي وإمائي وعزتي وجلالي لأكرمن مثواكم ولأجزلن عطاكم، ولأتينكم من الجنة غرفاً تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين، إنكم تطوعتم بالصوم لي في شهر عظمت حرمته وأوجبت حقه ملائكتي أدخلوا عبادي وإمائي الجنة ثم قال جعفر بن محمد (عليه السلام) هذا لمن صام من رجب شيئاً ولو يوماً واحداً في أوله أو أوسطه أو آخره” (فضائل الأشهر الثلاثة، ص31)

وفي حديث آخر ” عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلْتُ عَلَى الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام فِي رَجَبٍ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْهُ أَيَّامٌ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ، قَالَ لِي: يَا سَالِمُ هَلْ صُمْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ شَيْئاً؟ قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَ لِي: لَقَدْ فَاتَتْكَ مِنَ الثَّوَابِ مَا لَا يَعْلَمُ مَبْلَغَهُ إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّ هَذَا شَهْرٌ قَدْ فَضَّلَهُ اللَّهُ وَعَظَّمَ حُرْمَتَهُ وَأَوْجَبَ لِلصَّائِمِ فِيهِ كَرَامَتَهُ .قَالَ: فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَإِنْ صُمْتُ مِمَّا بَقِيَ شَيْئاً هَلْ أَنَالُ فَوْزاً بِبَعْضِ ثَوَابِ الصَّائِمِينَ فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا سَالِمُ مَنْ صَامَ يَوْماً مِنْ آخِرِ هَذَا الشَّهْرِ كَانَ ذَلِكَ أَمَاناً لَهُ مِنْ شِدَّةِ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ وَأَمَاناً لَهُ مِنْ هَوْلِ الْمُطَّلَعِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ، وَمَنْ صَامَ يَوْمَيْنِ مِنْ آخِرِ هَذَا الشَّهْرِ كَانَ لَهُ بِذَلِكَ جَوَازٌ عَلَى الصِّرَاطِ، وَمَنْ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ آخِرِ هَذَا الشَّهْرِ أَمِنَ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ مِنْ أَهْوَالِهِ وَشَدَائِدِهِ وَأُعْطِيَ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ” (وسائل الشيعة، ج10، ص475). 

هل تعرفون ما هو هول المطلع؟ عندما يُشرِفُ الميت على قبره يجد له هولاً عظيماً، لذلك ورد في الكتب الفقهية من المستحب ألا تُدخلوا الميت بسرعة في قبره، بل تمهلوا قليلاً وبعدما وضعه في قبره ابقوا معه واقرؤوا له القرآن حتى لا يستوحش لغربته في هذا المنزل الجديد إذ هو مهولٌ.

يقول الراوي “كان الإمام أبو عبد الله عليه‌ السلام إذا قام آخر الليل يرفع صوته حتى يسمع أهل الدار، ويقول: اللّهُمَّ أعِنِّي على هَوْلِ المَطْلَعِ ، وَوَسِّعْ عَلَيَّ ضِيقَ المَضْجَعِ ، وَارْزُقْني خَيْرَ ما قَبْلَ المَوْتِ ، وَارْزُقْني خَيْرَ ما بَعْدَ المَوْتِ” (الكافي، ج2، ص539).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.