خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 7 رجب 1442 هـ

الجمعة 7 رجب 1442

الخطبة الأولى:

في الخطب الماضية تحدثنا عن بعض شروط وأسباب حفظ الصحة، وفي هذه الخطبة أذكر بعض ما يسبب المرض وهذا سنعالجه من خلال الأحاديث الواردة عن الرسول (صلى الله عليه وآله) وعن أهل بيته الكرام الأبرار الأطهار (عليهم السلام).

قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): ” مَن غَرَسَ في نَفسِهِ مَحَبَّةَ أنواعِ الطَّعامِ، اِجتَنى ثِمارَ فُنونِ الأَسقامِ” (غرر الحكم، 9219) وليس في هذا الكلام تعييرٌ لمن يحب الطعام، بل هو عبارةٌ أخرى عما ذكرنا من الأحاديث التي تذم البطنة وكثرة الأكل، وذكرنا أنّ من أسباب المرض البطنة والإكثار في الأكل فهو يوجب المرض في الجسد، وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): “لا تَطلُبِ الحياةَ لِتأكُلَ بل اطُلبِ الأَكلَ لِتَحيا” (نهج البلاغة، الحكمة 824).

بعض الناس تراهم يحبون الأكل كأنهم قد خلقوا للأكل، مع أن الأكل سببٌ لتحيا، أي وسيلةٌ لتؤمن حياتك، وليس هذا هو الغاية حتى تظن أنك جئت إلى هذه الدنيا لتأكل، وفي الآيات الكريمة يصف الله تعالى هؤلاء بقوله Pوَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُO (سورة محمد، الآية 12).

وفي وصية طبية من الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) يقول: “إِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمُ اللَّحْمَ فَلْيُخْرِجْ مِنْهُ الْغُدَدَ فَإِنَّهُ يُحَرِّكُ عِرْقَ الْجُذَامِ” (علل الشرائع، ج2، ص561)، من الناحية الطبية يوصي الأطباء بألا تأكلوا الغدد مع أننا نأكل أكبر غدة في الجسد الكبد فهذه أيضاً غدة ولكن فيها منافع، ولكن مع ذلك الإكثار في أكل الكبد أيضاً (السودة) هذا يضر بالجسد حسب التقارير الصحية الموجودة وكذلك في الروايات نجد ما يؤكد على أننا يجب أن لا نكثر في أكل (السودة)، وعلى كل حال هذه الغدد تضر، وبعضها محرمٌ وقد ورد تفصيلها في الرسائل العملية هذه الغدد المحرمة، والقصابون يعرفون هذا ويخرجون هذه الغدد عندما يبيعون اللحم، إضافة إلى احتمال وجود سرٍّ معنوي وراء هذا التحريم.

ويقول الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام): “ويُكْرَهُ السِّوَاكُ فِى الْحَمَّامِ لِأَنَّهُ يُورِثُ وَبَاءَ الْأَسْنَانِ” (مكارم الأخلاق، ص49)، بعض الناس عندما يستحمون يستخدمون السواك وربما يضعون المسواك في الحمام السواك في الحمام، هذا مكروه في الرسائل العملية، وقد قرأتُ بعض التقارير الطبية أن الأطباء أيضاً ينصحون ألا تضعوا المسواك في الحمام لأن فيها الجراثيم، وعندما تستاك هذا يجعل في أسنانك ولثتك شيئاً من هذه الجراثيم، والإمام (عليه السلام) وصف هذه الجراثيم بوباء الأسنان، ويبدو أن الإمام يقصد هذه الجراثيم التي يمكن أن تدخل اللثة من خلال هذا الاستياك في الحمام.

قال الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): “ثلاثة يَهدِمنَ البَدَنَ ورُبّما قَتَلنَ: أكلُ القَديدِ الغابِّ…” (الكافي، ج6، ص314)، والقديد من الأغذية عند العرب حتى الآن، وقد وجدت بعضاً من الناس في مكة المكرمة عندما كانوا يذبحون الأضحية في يوم الأضحى في منى كانوا يقطعون اللحم ويرشون شيئاً من الملح عليه، وبعد ذلك يضعون يعرضونه للشمس حتى يجفّ، هذا هو القديد، والإمام (عليه السلام) ينهى عن أكل القديد ويقول هذا يهدم البدن وربما يكون قاتلاً لعلل مختلفة، وربما نشبِّهُ هذا القديد بالأكلات الجاهزة المعلبة الموجودة في السوق حالياً لأنهم يستخدمون بعض المواد الكيماوية فيها للحفاظ عليها، فهذا يضر للجسد كما يقول الأطباء.

ويقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “وَلَا تُسَرِّحْ في الحَمَام” (الكافي، ج6، ص501)، بعضٌ يسرحون شعورهم بالمشط عندما يغسلون رؤوسهم، والإمام ينصح بألا تسرحوا في الحمام فإنه يرقق الشعر، وهو عينُ ما يؤكد عليه الأطباء حالياً إذ يقولون أن الشعر عندما يكون فيه رطباً ويُسرَّح يصبح مثل المطاط وهذا يسبب ترقيقهُ ويمكن أن ينقطع.

ويقول الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): “مَن أرادَ ألّا تُؤذِيَهُ مَعِدَتُهُ فَلا يَشرَب عَلى طَعامِهِ ماءً حَتّى يَفرُغَ مِنهُ، ومَن فَعَلَ ذلِكَ رَطِبَ بَدَنُهُ، وضَعُفَ مَعِدَتُهُ، ولَم تَأخُذِ العُروقُ قُوَّةَ الطَّعامِ؛ لِأَنَّهُ يَصيرُ فِي المَعِدَةِ فِجّا إذا صُبَّ الماءُ عَلَى الطَّعامِ أوَّلًا فَأَوّلًا” (طب الإمام الرضا، ص35)، ولا بأس بالشرب بعد الفراغ ولكن أثناء الطعام لا يشرب، ورطوبة البدن من المصطلحات في الطب القديم وهي تضعف المعدة فلا تأخذ العروق قوة الطعام لأن في المعدة عروقاً تنقل المواد الغذائية، وهكذا يكتسب البدن الغذاء، وبعبارة أخرى كأن الإمام يقول الإمام: لا تُجتذَبُ المواد من خلال العروق إذا شربت الماء على الطعام وأثناء الطعام.

ويقول الإمام علي بن موسى الرضا (ع) يقول: “وَاحْذَرْ…أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الْبَيْضِ وَالسَّمَكِ فِي الْمَعِدَةِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّهُمَا مَتَى اجْتَمَعَا فِي جَوْفِ الْإِنْسَانِ وُلِّدَ عَلَيْهِ النِّقْرِسُ وَالْقُولَنْجُ وَالْبَوَاسِيرُ وَوَجَعُ الْأَضْرَاسِ” (الرسالة الذهبية، ص62). والنقرس معروف باسم داء الملوك لأنه عادةً من يكثر في أكل اللحم يصاب بهذا المرض، والقولنج يعني وجع الكولون.

لماذا نحن نتحدث عن مثل هذه الكلمات؟ هل جاء الدين ليعلمنا الطب؟ هل أرسل الله تعالى النبي (صلى الله عليه وآله )ليعلم الناس الطب؟ كلا، بل قال “إنما بُعِثتُ لأتمّمَ مَكَارِمَ الأخلاق” وجاء الأنبياء وأوصياؤهم ليعلمونا كيف نعيش حتى نصل إلى السعادة والحياة الطيبة، والحياة الطيبة لها أجزاء ولها أسباب؛ كيف تكتسب؟ وكيف تحصّل؟ هذا يكون من خلال تعليمات تنظّم حياتنا المادية والحياة المعنوية، لذلك الجسد يجب أن نهتم بالجسد، والأئمة (عليهم السلام) ذكروا هذه الأشياء لينتبه المؤمن إلى أنه بحاجة لمراقبة نفسه – أي جسده – وليس شأنهم أن يعلموا الناس علم الطب وما شابه ذلك، لأنّ هذا علم بشريٌ يجب أن يتعلمه الإنسان من حيث فسح الله هذا المجال له، فليطلب هذا العلم من حيث يوجد.

و يجب أن أذكر نقطة أخرى بأن الروايات الأخرى الواردة في مجال الطب مثل جميع الروايات الأخرى بحاجة إلى دراسة من ناحية السند ومن ناحية الدلالات وليس كل شيء يردُ فيه قال الصادق (عليه السلام) علينا أن نثق به ونقول قال الإمام الصادق هكذا؛ هذا شأن العلماء الذين درسوا علم الحديث وعلم الرجال حيث يدرسون هذه الأحاديث ويختارون الصحيح من هذه الأحاديث ويعملون به، وليس كل شيء يذكر كحديث نحن نقبله.

وهناك حديث آخر أذكره بما أنه محل ابتلاء في بلاد الشام، وإن كان ذلك واضحاً في لبنان أكثر من سورية، وهو أنهم يأكلون النيء اللحم الذي لم يطبخ على الإطلاق أو لم يطبخ بشكل كامل، وقد قال الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام): “أكلُ اللّحمِ النيءِ يُورِثُ الدُّودَ في البَطنَ” (طب الإمام الرضا، ص28)، صحيحٌ أن هناك أسباباً غير مادية للأمراض، لكنْ هذه كانت أسباباً مادية، وكلاهما بأيدينا نحن المكلفون إذا راقبنا أنفسنا استطعنا أن نقيَ أجسادنا من الأسباب التي تولد المرض، وكذلك بالنسبة للشؤون المعنوية غير المادية.

و المرض قد يكون مصداقاً للبلاء، وذات يوم كان الإمام علي (عليه السلام) في فراش المرض، فجاء بعض المؤمنين لعيادته وسألوا الإمام (عليه السلام) عن حاله فقال بأنه شرٌّ، فقالوا كيف ذلك والله تعالى هو الفاعل في هذا العالم؟ قال الإمام (ع) الله تعالى يقول “ونبلوكم بالشر والخير فتنة”. هذا شرٌّ ولكن يجب أن نخرج من هذا الشر سالمين غانمين

فإذاً الإمامُ وصف المرض بالبلاء حيث استشهد بالآية “ونبلوكم بالشر والخير فتنة” كما يمكن أن نستفيد من هذا الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) حيث يقول: ” كُلَّمَا أَحْدَثَ الْعِبَادُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْمَلُونَ، أَحْدَثَ اللَّه لَهُمْ مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْرِفُونَ”(الكافي، ج2، ص275) فإذا قلنا أن بلية كورونا أو ما شابه ذلك من الأسباب غير المادية لها علاقة بهذه الرواية فهذا القول ليس بباطل بل له دخلٌ، ولو كان ليس العلة التامة – على حد تعبير العلماء – بل جزءاً من أسباب هذه الأمراض الموجودة مثل هذا المرض الحديث الجديد الذي أحدثه البشر أو غير البشر أو أعمالنا غير الصالحة وما شابه ذلك، فلا بأس بأن نقول بمثل هذا القول، وأنا أقول هذا حتى لا يُناقَش بأني حصرت سبب هذا المرض في غير المادي، لعل له أسباباً مادية ولكن لا ننسى هذه الأسباب غير المادية من خلال إنابتنا في هذا الشهر الفضيل، نطلب من الله تعالى وندعوه بدعاءٍ خالصٍ وبقلوب منكسرة أن يُذهِبَ هذا الوباء والبلاء من كل العالم خصوصاً العالم الإسلامي.

الخطبة الثانية:

في هذا الأسبوع أشار الإمام آية الله العظمى السيد علي الخامنئي حفظه الله في كلمة له إلى عداوة القوى العظمى منذ بداية انتصار الثورة الإسلامية قائلاً: منذ بداية الثورة تشكلت جبهة من القوى العظمى أي الاتحاد السوفييتي إلى جانب أمريكا والقوى الأوروبية وأتباع القوى العظمى والرجعيين في المنطقة ضد الجمهورية والثورة الإسلامية، وسبب هذه العداوة حصراً أن النظام الإسلامي رفض قواعد نظام الهيمنة.

ماذا يعني نظام الهيمنة؟ يعني تقسيم العالم إلى القسم المهيمِن والقسم المهيمَن عليه، الظالم والمظلوم، الغالب والمغلوب، يجب أن يكون المهيمن هو المتسلط بكل سياسته وثقافته واقتصاده، وعلى المتقبل للهيمنة أن يستسلم للمهيمن.

في المقابل رفضت الجمهورية والثورة الإسلامية هذا النظام وقواعده التي كانت شريان الحياة للاستكبار، فوقف هؤلاء ضد الجمهورية الإسلامية، فجوهر القضية أن هذا النظام الإسلامي ليس على استعداد أن يكون شريكاً في نظام الهيمنة العالمي، وأن يرافقه في الهيمنة والتبعية كما كان في عهد الشاه، حين كانت إيران خاضعة لهذه الهيمنة، وكان النظام الإسلامي صامداً ويعارض الظلم والهيمنة.

هذه لمحة من كلمة الإمام الخامنئي حفظه الله، وأنا أقول نحن شركاء معكم في هذا المجال، سورية شريكةُ إيران في هذا المجال، سورية صمدت أمام هذا نظام الهيمنة العالمي، وللسبب نفسه تتعرض لشتى ألوان العقوبات والعراقيل والاعتداءات.

وأنتم أيها الشعب السوري الصامد الأبيِّ تُعانون الضغوطات والعقوبات من قبل القوى العظمى وعملائها؛ لأنكم لم ترضخوا لهم أذلاء، بل رفعتم رؤوسكم واستقمتم على طريقتكم المثلى، وهي نهج سيد الشهداء (عليه السلام) الذي رسمه للأمة الإسلامية ويتمثل في شعاره الزاخر بالشموخ والعز “هيهات منا الذلة”

وفي نهاية هذه الخطبة نبتهل إلى الله تعالى بالدعاء الوارد عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) ونخاطب ربنا: “خَابَ الْوَافِدُونَ عَلَى غَيْرِكَ، وَخَسِرَ الْمُتَعَرِّضُونَ إِلَّا لَكَ، وَضَاعَ الْمُلِمُّونَ إِلَّا بِكَ، وَأَجْدَبَ الْمُنْتَجِعُونَ إِلَّا مَنِ انْتَجَعَ فَضْلَكَ، بَابُكَ مَفْتُوحٌ لِلرَّاغِبِينَ، وَخَيْرُكَ مَبْذُولٌ لِلطَّالِبِينَ، وَ فَضْلُكَ مُبَاحٌ لِلسَّائِلِينَ، وَ نَيْلُكَ مُتَاحٌ لِلْآمِلِينَ، وَ رِزْقُكَ مَبْسُوطٌ لِمَنْ عَصَاكَ، وَحِلْمُكَ مُعْتَرِضٌ لِمَنْ نَاوَاكَ، عَادَتُكَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْمُسِيئِينَ، وَ سَبِيلُكَ الْإِبْقَاءُ عَلَى الْمُعْتَدِينَ، اللَّهُمَّ فَاهْدِنِي هُدَى الْمُهْتَدِينَ، وَارْزُقْنِي اجْتِهَادَ الْمُجْتَهِدِينَ ، وَلَا تَجْعَلْنِي مِنَ الْغَافِلِينَ الْمُبْعَدِينَ ، وَاغْفِرْ لِي يَوْمَ الدِّينِ ” (بحار الأنوار، ج95، ص389)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.