خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 14 رجب 1442 هـ

الجمعة 14 رجب 1442

الخطبة الأولى:

قد مرَّ بعض الكلام حول نصيحة الأئمة (عليهم السلام) لنا للمحافظة على صحتنا لأن الصحة كمالٌ للإنسان، ومع أنه كمالٌ ماديٌ ولكنه يوفر لنا أرضية مناسبة للكمال المعنوي الذي لا يرهق أي جهاز من أجهزة جسمه، عندما يؤدي عملاً عبادياً فيصلي أو يصوم أو يجاهد أو يقاتل أو يحج أو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيكون في العمل العبادي راحة في جسمه، ويكون أنشط مقارنة بحال مرضه.

فالإنسان إذاً بحاجة إلى صحة بدنه حتى تكون هذه الصحة ظرفاً للعمل بالواجبات والانتهاء عن النواهي والمحرمات، وللعمل بالسنن والمستحبات، فيجب على الشاب أن يقدر قيمة شبابه وقوته قبل هرمه وقبل شيخوخته لأنه إذا أراد أداء عبادة كقيام الليل يجدها في شبابه أحسن وأسهل من وقت هرمه وشيخوخته. فلا تحسبوا الاهتمام بصحة الجسد شيئاً مادياً فقط؛ بل هذا يوفر لنا ظروف العمل المعنوي والاهتمام بأرواحنا وأنفسنا أكثر فأكثر. وإنما أقول هذا جواباً لمن يناقش بأنه في صلاة الجمعة لماذا تتحدث عن المرض والمداواة للمرض وما شابه ذلك؟

 في هذه الخطبة أريد أن أذكر لكم بعض الأحاديث حول الدواء والعلاج تحدثنا عن المرض عن أسباب المرض عن الصحة وعن أسباب الصحة والآن نعالج هذا الموضوع.

يقول النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: “أربعة من كنوز الجنة … وكتمان المرض” (مستدرك الوسائل، ج2، ص68)، هذا معناه ألا تحدث الآخرين عن مرضك لأن هذا يؤثر نفسياً عليهم بصورة سلبية. ويدل الحديث أيضاً على أنّك إذا شعرت بوجع لا تذهب إلى الطبيب والدواء مباشرة

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “امشِ بدائك ما مشى بك” (نهج البلاغة، الحكمة 27) يعني أن الإنسان ممكن أن يداري وجعه والجسد له جهاز مناعة، وبنفسه يستطيع أن يعالج الداء، نعم عندما يحرجك هذا الداء يجب أن تراجع إلى الطبيب ولكن بعض الأدواء يستطيع الإنسان أن يداريها حتى يعالجها بنفسه.

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان لا يتداوى من الزكام، وهذا ما ينصح به الأطباء حالياً بألا نتداوى من الزكام، فيقولون أنه فيروس وسيذهب، ويستطيع الجسد أن يكافح هذا الفيروس، وهذا ينفع لأنه ينشط الجسد وينشط جهاز المناعة، فهو بذلك خيرٌ للجسد، حتى إذا جاءت فيروسات أخطر يكون الجسد يكون جاهزاً مثل الجندي، وهذه الجهوزية تتم بأمراض بسيطة مثل الزكام الذي يفيد في أنّ تقوى مناعة البدن لمكافحة الفيروسات الصعبة، فلذلك لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله) يتداوى من الزكام بل كان يشرب الماء، كما ينصحون الآن بشرب السوائل.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): “واجتنب الدواء ما احتمل بدنك الداء” (بحار الأنوار، ج81، ص207) وبعض الناس يتناولون الدواء كأنهم يأكلون الفواكه ولكن الحقيقة تُكتشف في حديث آخر للإمام موسى الكاظم (عليه السلام) حيث يقول: “ليس من دواء إلا وهو يهيج داءً، وليس شئ في البدن أنفع من إمساك اليد إلا عما يحتاج إليه  ” (الكافي، ج8، ص273)، فهذا الدواء قد ينفعك لهذا الداء ولكن بنفسه يمكن أن يضر صحتك، فما دمت تقدر أن تكافح الداء بدون أخذ هذا الدواء فهذا أنفع، وإذا اضطررت لا بد أن تأخذ الدواء ولكن بلا تساهل لأن هذا الدواء قد يضر جهازاً آخر من جسدك، فقد تتناول الدواء لوجع الرأس وهذا يضر بمعدتك، فحاول ألا تأكل إلا إذا اضطررت.

وقال الإمام الصادق (عليه السلام): “مَنْ ظهرتْ صحتُهُ على سقمه فيعالج بشيء فمات فأنا إلى الله منه بريء” (الخصال، ج1، ص26) فنفهم أن صحتنا لو كانت غالبة على سقمنا ولكننا لم نتحمل وسارعنا لتناول الدواء فقد أضررنا بجهاز آخر، فيسير الإمام (عليه السلام) إلى ان فاعل ذلك إذا مات جرّاء هذا فأنا أكون بريئاً منه إلى الله، أي لا يلومن إلا نفسه.

وأما عن لزوم العلاج إذا كان بك داء تشعر بأنه يؤذيك، وهو يلازمك فترة طويلة، عليك أن تعالج هذا الداء، فيقول النبي (صلى الله عليه وآله: “تداوَوا فإنّ الله عز وجل لم يُنزلْ داءً إلا وأنزل له شفاءً” (كنز العمال، 28088)، المهم أن نستكشف الدواء لكل داء، وهذا شغل الأطباء من خلال عملهم العلمي وتجاربهم في المختبرات وفي المجالات الأخرى، وهم يخدمون الأمة بأن يستكشفوا هذه الأدوية التي أنزلها الله.

وبعض الأدوية تكون متكشفة ومعلومة، كما في بداية جائحة كورونا حين كان الأطباء يصفون شيئاً قد يضر بالبدن لأنهم لم يكونوا يعرفون الدواء، وشيئاً فشيئاً من خلال تجاربهم ميزوا الوصفة الصحيحة من الخاطئة، وعملوا بعض التعديلات، لأن هذا ليس معلوماً للبشر إلا أن يُكتشَف الله.

ويقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): “منْ كَتَمَ الأطباءَ مَرَضهُ خَانَ بَدَنَهُ” (ميزان الحكمة، 8545) هذه خيانة للبدن لأن الطبيب يستطيع أن يعالج، فلو شرحت له ما يجري في بدنك سيعالجك، والله تعالى منَّ عليك بـأن يكون لك طبيب يعرف الدواء ويدلك على علاج هذا المرض.

ولعلّ البعض لا يفهم الآية بشكل صحيح ويقول إن النبي إبراهيم (عليه السلام) حسب ما نقل في سورة الشعراء قال Pوإذا مرضت فهو يشفينO فيقول أنا أنتظر حتى يشفيني الله تعالى يشفين، إلا انّ الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: “إنّ نبياً من الأنبياء مرض، فقال لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو الذي يشفيني – يعني الله تعالى – فأوحى الله إليه لا أشفيك حتى تتداوى فإن الشفاء مني” (بحار الأنوار، ج62، ص66) نعم الشفاء من الله تعالى ولكن الله تعالى أذِن بالشفاء من خلال الدواء، وقد يعطيك الطبيب دواءً وهذا الدواء صحيح حسب التجارب العليمة ولكن الله تعالى أراد ألا تبقى – لا سمح الله – في هذه الدنيا سالماً صحيحاً فلذلك تجد أن هذا الدواء لا يؤثر، فربما يضع الله تعالى يضع مانعاً من خلال أمور مختلفة، فعليك إزالة المانع حتى يؤثر هذا الدواء.

وعن يونس ابن يعقوب يقول “سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشرب الدواء وبما قتل وربما سلم منه وما يسلم أكثر فقال (عليه السلام): أنزل الله الدواء وأنزل الشفاء وما خلق الله داءً إلا وجعل له دواءً فاشرب وسم الله تعالى” (بحار الأنوار، ج59، ص66) للمرض أثر معنوي؛ فقد يكون رحمة من الله هذا المرض، هل جربتم عندما نكون مرضى كيف نجد أنفسنا ألطف من السابق ونشعر بشيء من المعنوية والروحانية؟ عندما تصاب بشيءٍ أنت تذكر الله من أعماق قلبك ولذلك يقول الإمام السجاد عندما رأى عليلاً قد برئ من مرضه “يهنئك الطهور من الذنوب إن الله قد ذكرك فاذكره وأقالك فاشكره” (تحف العقول، ص280) أي قد تطهرت من ذنوبك والله تعالى نظر لك نظرة رحمة فاشكره أنْ أقالك من ذنوبك بهذا التطهير.  

الخطبة الثانية:

نعيش في أجواء الفرح بمناسبة ذكرى مولد سيد الوصيين يعسوب الدين مولى الموحدين وإمام المتقين سيدنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وبهذه المناسبة أرفع اسمى وأبهج وأنمى وأزكى آيات التحية والتهنئة والتبريك إلى صاحبنا قاصم شوكة المعتدين ومنجي الصالحين ومنقذ المستضعفين وبقية الله في الأرضيين الحجة القائم المهدي (عليه السلام)، كما أتقدم إليكم أيها الإخوة المؤمنون والأخوات المؤمنات بأحر التهاني بهذه المناسبة العطرة البهيجة، ولنا الفخر والاعتزاز بمجاورة مرقد حبيبة علي وريحانة فاطمة وقرة عين الرسول (صلوات الله عليهم) زينب الكبرى (عليها السلام)، هذه الوديعة الثمينة المباركة النبوية العلوية الفاطمية التي أودعت في أرض سورية الحبيبة أماناً لأهلها، وإنكم إيها الشعب السوري الوفي قد أديتم كلمة الوفاء بحق صاحبة هذه القبة الشريفة بتضحياتكم ودمائكم.

لقد حوصرتم وهجرتم وأريقت دماء أحبتكم على أرض سورية المجيدة حتى يبقى المجد لبلاد زينب الكبرى – أعني سورية – وحتى لا تسبى زينب مرة أخرى، وهذه الدماء الطاهرة والنفوس الزكية أصبحت صفعة على وجوه الطاغيين المتطاولين على قيم هذا الشعب الصامد.

وفي هذه الساحة الزاخرة بالعز والكرامة صنع أشقاء سورية وأصدقاؤها ملاحم بطولية لتبقى ملحمة كربلاء خالدة وشموخ زينب زاهراً ومشرقاً وملهماً، وتبقى سورية المحتضنة لحبيبة المصطفى (صلى الله عليه وآله) عصية على الاستكبار العالمي، آمنة مطمئنة لشعبها وملهمة لأحرار العالم ومتقدمة مزدهرةً بحضارتها العريقة وشعبها الصامد الوفي.

أجل؛ إن العدو زرع بذور الفتنة الصماء العمياء المضللة في هذا البلد الطيب، وأشعل نيران حرب كونية في شتى أرجائها لصالح الصهاينة المحتلين، وأشعل نيران حرب كونية في شتى أرجاءها لصالح أمن الصهاينة المحتلين، إن الشيطان قد جمع حزبه من العالم وتدفق المجرمون وبأموال الشعوب المسلمة نحو هذه الأرض الطيبة حتى يقتلوا ويهتكوا الأعراض ويهلكوا الحرث والنسل ويذبحوا الأبرياء وحتى الأطفال وهدموا البيوت التي يذكر فيها اسم الله، وقد اجترحوا هذه الجرائم باسم الشريعة الإسلامية بينما الإسلام بريء من هذه التصرفات البشعة اللاإنسانية، ولكنهم واجهوا سداً منيعاً وصفاً مرصوصاً من المناضلين الأبطال والمجاهدين الذين أعاروا الله جماجمهم ووتدوا في الأرض أقدامهم وعضّوا على نواجذهم ورموا بأبصارهم أقصى القوم المجرمين، وقاتلو بشراسة هذه العصائب الجاهلة العنيدة المتصلبة، ونظفوا البلد من دنسهم.

واليوم أخذ العدو بخناق هذا الشعب الصامد بحصار اقتصادي يترقب خنوعه ورضوخه ذليلاً راكعاً أمام المستكبرين، ولكن سورية بقيادتها الحكيمة الشجاعة وشعبها المقدام الصامد أثبتت أنها لن تستسلم ولن تركع لطواغيت العالم وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية ووليدتهم الخبيثة الكيان الصهيوني.

فلن تنفع العدو المقاطعة الاقتصادية بل ستكون حافزاً لاتكال الشعب على قدرته الذاتية والتقدم نحو الاكتفاء الذاتي وازدهار البلد اعتماداً على طاقاته وامكانياته.

“نحن قادرون” هذا الشعار سيشكل رمزاً لانتصارنا وسوف نرتقي من خلاله إلى قمم التطور والازدهار، وعلى الرغم من تكثيف الأعداء إجراءاتهم العدائية علينا، إذا اعتقدنا بأننا قادرون ونعتمد على قدراتنا وطاقاتنا ومواهبنا ونبادر بالعمل سننتصر في كافة ساحات الحياة الاقتصادية والتقنية والعلمية والسياسية والعسكرية بإذن الله تعالى.

إيها الإخوة، نحن ما زلنا في شهر رجب الأصب نتناغم مع نغمات إمامنا الصادق (عليه السلام) ونقرأ ما قرأه الإمام في هذا الشهر الفضيل بقلوب منكسرة ونمد أيدينا إلى الله تعالى ونقول: ” اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صَبْرَ الشَّاكِرِينَ‏ لَكَ‏، وَعَمَلَ الْخَائِفِينَ مِنْكَ، وَيَقِينَ الْعَابِدِينَ لَكَ. اللَّهُمَّ أَنْتَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ وَأَنَا عَبْدُكَ الْبَائِسُ الْفَقِيرُ، أَنْتَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وَأَنَا الْعَبْدُ الذَّلِيلُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِهِ وَامْنُنْ بِغِنَاكَ عَلَى فَقْرِي، وَبِحِلْمِكَ عَلَى جَهْلِي، وَبِقُوَّتِكَ عَلَى ضَعْفِي، يَا قَوِيُّ يَا عَزِيزُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الْأَوْصِيَاءِ الْمَرْضِيِّينَ، وَ اكْفِنِي مَا أَهَمَّنِي مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ”

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.