خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 21 رجب 1442 هـ

الخطبة الأولى:

تحدثنا عن بعض ما ورد في الأحاديث النبوية وكلمات المعصومين (عليهم السلام) حول أسلوب الحياة في الرؤية الإسلامية، وتحدثنا عن لزوم المداواة عند الاضطرار، ونصل الآن إلى قسم من الروايات عن أهل البيت الأئمة (عليهم السلام) وكذلك النبي (صلى الله عليه وآله) بأنه يجب أن نتجنب العلاج بالحرام.

قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : “إنّ الله تعالى أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداو ولا تتداو بحرام” (بحار الأنوار، ج59، ص76)، ففي الأدوية حالياً ما يكون مصنوعاً من الكحول وتستعمل هذه الأدوية خصوصاً للسعال، وقد أبدع بعض الأطباء المؤمنين وجاؤوا بأدوية حديثة بمكونات لا يوجد فيها كحول، وهم يستشهدون بهذه الروايات على أنه لا يوجد علاج في الحرام. والآن في إيران – وربما هنا يوجد بعضٌ – هذا في السوق موجود وقد جُرّبت، ويصفها الناس بأنها أدوية جيدة ووجدوا منها آثاراً طيبة.

وعن قائد ابن طلحة “أنه سأل أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن النبيذ يجعل في الدواء والنبيذ، فقال (عليه السلام) لا ليس ينبغي لأحد أن يستشفي بالحرام” (الكافي، ج6، ص413)، والنبيذ مُسكِرٌ يؤخذ من العنب أو التمر، وكانوا يصفونه علاجاً، وعن الحلبي قال “سألت أبا عبدالله (عليه السلام): عن دواء جنب الخمر فقال (عليه السلام): لا والله ما أحب أن أنظر إليه” يعني أنا أكره من هذا فكيف أتدواى به؟ إنه بمنزلة شحم الخنزير أو لحم الخنزير وإن أناساً ليتداوون به” (الكافي، ج6، ص414) فيبدو أنه في عصر الإمام (عليه السلام) كان بعض الناس يصفون شحم الخنزير أو لحمه لبعض الأمراض فيقول الإمام (عليه السلام): كما أن شحم الخنزير و لحم الخنزير واضحٌ حرمته أن يؤكل كذلك حرمته كدواء. نعم نتمنى أن لا يوجد دواء يستعمل فيه شيءٌ من الحرام ومن النجاسات، وإن شاء الله نتداوى بالحلال.

كما نذكر هنا أيضاً بعض الأحاديث حول أسباب النشاط والازدهار والبهجة، ومنها ما ورد عن النبي (ص): “الرائحة الطيبة تشد القلب” (الكافي، ج6، ص510)، وهذا يذكرنا بما حصل عندما تفاقم هذا المرض (مرض كورونا) حيث أن بعض الحكماء والأطباء المختصين في مجال الأدوية التقليدية القديمة كانوا ينصحون بشم ماء الورد لأنه يفيد الرئة، ويقولون نحن قد جربنا أن هذا يفيد الرئة، نعم الريح الطيب إضافة أنه يعطي للإنسان بهجةً وسروراً قد يستخدم كدواء.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “التطيب نُشرة والغسل نشرة والنظر إلى الخضرة نُشرة والركوب نشرة” (مكارم الأخلاق، ص42)، والنشرة رُقْية تؤخذ لعلاج المجنون أو المريض، وهذه كناية عن أن هذه الأمور التي نحن ذكرناها في هذا الحديث كلها تكون دواءً، فالتطيب دواء والغُسل نشرة – ولا يقول الغَسل بل الغسُل نفسه الذي ننوي به القربة إلى الله تعالى – هذا يفيد صحياً كما أنه يفيد معنوياً ويؤثر على قلوبنا وأرواحنا ونفوسنا، والنظر إلى الخضرة نشرة، فحين تتنزه في الحقول وتنظر إلى الأشجار الخضِرَة يفيدك صحياً، وكذلك الركوب – يعني الفروسية – أيضاً يكون دواءً لكثير من الأدواء.

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): “ثلاث يجلين البصر النظر إلى الخضرة يجلي البصر والنظر إلى الماء الجاري والنظر إلى الوجه الحسن” (وسائل الشيعة، ج20، ص60)، إنّ الذي لا يبالي كيف يكون وجهه هذا يقبح صورته، ولكن الذي يهتم بنظافة وجهه يؤثر في حسن وجهه، وكذلك تدلنا بعض الروايات على أن قيام الليل يُكسِبُ حسن الوجه، فإذاً ليس المقصود من حسن الوجه حسب المعايير العرفية بل حسن الوجه بالاجتناب عن الحرام، حيث ترون أن مرتكب الحرام ولو أن أجزاء صورته حسب الظاهر جميلة ولكن لا ترغب أن تنظر إليه، ولا يؤثر  في جلاء البصر كما يقول الإمام (عليه السلام).

الخطبة الثانية:

قد قضينا أيام مأتم صاحبة هذه القبة الشامخة سيدتنا زينب الكبرى (عليها السلام) وكذلك ذكرى استشهاد الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) وبهذه المناسبة نرفع تعازينا إلى مولانا بقية الله الأعظم (عجل الله فرجه) وإلى مراجعنا العظام لا سيما الإمام الخامنئي وإلى المسلمين كافة.

كما نرفع أحر التهاني والتبريكات بمناسبة المبعث النبوي الشريف إلى سيد الأوصياء صاحب العصر والزمان (عجل الله فرجه) وإلى نائبة الإمام الخامنئي وإلى المسلمين كافة.

قال الله تعالى في محكم كتابه P الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَO (سورة الأعراف، 157).

إننا نرى في الآية أوصافاً للنبي (صلى الله عليه وآله) أنه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحل للجميع الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنا إصرنا والأغلال التي كانت علينا، فإذا أردنا اتباع الرسول الأمي علينا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونحلّ الطيبات ونحرم الخبائث، وعلينا ألا نرضى بأي غل بأي من الأغلال التبعية للأجانب، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) لا يرضى بأن نكون تابعين لغيرنا ولا يرضى بأن يكون للكافرين سبيل على المسلمين، فعلى المسلمين أن يتقووا بقوة العلم في المجالات العسكرية والتقنية والاقتصادية حتى يكونوا أقوياء ولا يكون سبيل للكافرين عليهم.

دعونا نقرأ كلمة الإمام علي (عليه السلام) التي يصف فيها العرب قبل البعثة النبوية حيث يقول: ” إنّ الله بعث محمّداً نذيراً للعالمين، وأميناً على التنزيل. وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار. منيخون بين حجارة خُشن وحيّات صمّ، تشربون الكَدِر وتأكلون الجشب، وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم. الأصنام فيكم منصوبة والآثام بكم معصوبة”  (نهج البلاغة، الخطبة 26) أنا أوجه خطابي إلى من يغتر بعروبته دون أن يعتز بإسلامه، فالعرب في الحجاز بأي شيء يعتزون؟ بأبي لهب أم بمحمد (صلى الله عليه وآله)؟ حيث انقذهم من الأغلال التي كانت عليهم، أيغترون بأنهم كانوا طفيليين عند الإمبراطورية الإيرانية المجوسية؟ حيث كان الأكاسرة ينصبون ملكاً على اليمن في الجزيرة العربية ولم تكن علاقات العرب الخارجية قبل الإسلام إلا عمالتهم لكسرى، لذلك عندما سمعوا بانتصار الفرس على الرومان فرحوا، حيث قال الله تعالى Pالم Q غُلِبَتِ الرُّومُ Q فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَO (سورة الروم، الآيات 1-3). فعندما غُلبت الروم فرح مشركو العرب بأن صديقهم المجوسي غلبَ

نصب كسرى ملكاً ايرانياً كان يدعى “باذان بن ساسان” وعند ظهور الإسلام كان حاكماً على اليمن، وبعد الهجرة النبوية وغزوات النبي كان ملكاً في اليمن ولم يكن ملكه مقتصراً على اليمن فقط بل كان مشرفاً على الحجاز وتهامة، وعندما أرسل النبي (صلى الله عليه وآله) رسائل إلى بعض الملوك ودعاهم إلى الإسلام كتب إلى كسرى “خسرو برويز” بالفارسية، وعندما قرأ خسرو برويز قول النبي “بسم الله الرحمن الرحيـم أسلمْ تَسلمْ” غضب ومزق الرسالة وأرسل رسولاً إلى بازان إلى اليمن يأمره بالقبض على صاحب هذا الكتاب ويرسله إلى إيران، فأرسل باذان شخصين إلى المدينة المنورة وأظهرا رسالة كسرى للنبي (صلى الله عليه وآله).

 وعندما بلغ المشركين أن النبي مدعو ويجب أن يقبض عليه ويرسل إلى إيران فرحوا وقالوا قد قضي على محمد. وكان جواب النبي للرسولين بأنه سيجيب إلى هذه الرسالة بعد يوم، وفي اليوم التالي جاءاه فأخبرهم (صلى الله عليه وآله) عن مقتل كسرى بيد ابنه شيرويه، وكذلك أخبرهما بأن بلادهم ستقع  في يد المسلمين في المستقبل القريب فليرجعا إلى اليمن ويقولا لباذان أن يُسلِم لتبقى اليمن تحت حكمه.

رجع الرسولان إلى اليمن وأخبرا باذان بالخبر فقال سننتظر حتى نتأكد من هذا الخبر إذا كان هذا الخبر صحيحاً فمحمد هو رسولٌ من الله تعالى، فجاءه رسول من قصر كسرى بعد أيام بأن كسرة قد قتل بيد ابنه في التاريخ نفسه الذي ذكره النبي (صلى الله عليه وآله)، وبأن يدعو الناس إلى شيرويه بدلاً من والده المقتول، وأنه مأمور بترك هذا الذي يدّعي النبوة في الحجاز حراً ولا يزعجْهُ أحدٌ، فاسلم باذان وجمع من الفرس الذين كانوا معه، وكان هؤلاء يدعون في ذلك الزمان بالأبناء والأحرار. وهؤلاء أول من دخل من الإيرانيين في الإسلام، وتوفي باذان في عهد الرسول ونصب ابنه شهر بن باذان مكانه بأمر من النبي (صلى الله عليه وآله) وتابع سيرة والده في مواجهة الكفار ومناصرة المؤمنين.

قرأت لكم هذه القصة حتى تعرفوا كيف كان يعيش العرب في عهد المشركين، كانوا طفيليين أذلاء لحكومة إيران المجوسية الكافرة، وإننا اليوم نفخر بأننا – نحن الإيرانيين – اعتنقنا الإسلام بدون أي مقاومة للجيش المسلم، إذ عندما جاء المسلمون إلى إيران كان من المفروض أن يقاوم عسكر هذه الإمبراطورية العظيمة العربَ الذين لم يمتلكوا العتاد مقارنة بهذه الإمبراطورية، ولكن كيف دخلوا؟ لأن الناس فتحوا قلوبهم للإسلام وكثير من الناس عندما سمعوا عن هذا النبي الكريم اعتنقوا الإسلام قبل أن يروا رسالته وقبل أن يسمعوا شيئاً آخر عنه؛ بل فقط سمعوا أنه لا يفرق ولا يميز بين إنسان وآخر، بينما في ايران الساسانية ما كان يسمح للحذّاء مثلاً أن يسجل ابنه في درس الكتابة.

ونحن السلمانيّون اليوم نعتز بمثل سلمان الفارسي وبإسلامنا الذي ببركته أصبحنا فخراً للإسلام والمسلمين؛ بقوتنا وبمجدنا وعظمتنا وعظمة بلادنا وبفضل صمودنا، والآن أصبحنا مع جميع الإخوة العرب يداً واحدة وصفاً واحداً لأجل مجد الإسلام وشموخه، وإن شاء الله نكافح الأعداء والقوى الشريرة في العالم وعلى رأسهم الإمبريالية العالمية الاستكبار العالمي أمريكا الظالمة الغاشمة ووليدتها اللاشرعية الصهيونية.

عندما نتحدث عن الرجعية، نعني أولئك المطبعين الذين يرجعون إلى أسلافهم المشركين حين يخضعون للأعداء، لأية غاية؟ هل بعد التطبيع شيءٌ من الذل والهوان والمهانة؟ تباً لهؤلاء الذين شوهوا سمعة العرب بل سمعة أنفسهم إذ العرب بحمد لله موقفهم واضح في رفض أي تطبيع مع الكيان الصهيوني، وان شاء الله ستجدون هؤلاء المطبعين في مزبلة التاريخ في المستقبل القريب.

 في شهر رجب الأصب نبتهل إلى الله تعالى وندعو بما دعا به مولانا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ” يا مَنْ يَمْلِكُ حَوائِجَ السّائِلينَ، ويَعْلَمُ ضَميرَ الصّامِتينَ، لِكُلِّ مَسْأَلَة مِنْكَ سَمْعٌ حاضِرٌ وَجَوابٌ عَتيدٌ، اَللّـهُمَّ وَمَواعيدُكَ الصّادِقَةُ، وأياديكَ الفاضِلَةُ ، ورَحْمَتُكَ الواسِعَةُ، فأسْألُكَ أن تٌصَلِّيَ عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد، وأنْ تَقْضِيَ حَوائِجي لِلدُّنْيا وَالآخِرَةِ ، إنَّكَ عَلى كُلِّ شيء قَديرٌ ” .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.