خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 2 شوال 1442 هـ

الجمعة 2 شوّال 1442 ه

الخطبة الأولى:

تناولنا في الخطب الماضية أسلوب الحياة في الرؤية الإسلامية، ومن هذه الخطبة سنبدأ بمعالجة بعض الآداب لتناول الطعام والشراب وفقاً لتعليمات الدين الحنيف الإسلامي القرآن العظيم والروايات الواردة عن رسول الله وآله عليه وعليهم صلوات الله.

يقول الله تعالى Pكُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْO (سورة طه، 81)، والطيبات هي ما أحلّه الله تعالى لنا من الطعام من جوانب مختلفة، فمنه الحلال في نفسه مثل لحم بعض الحيوانات ومنه المحرم، والجانب الآخر من الحلية هو أن هذا الطعام من أين حصلت عليه؟ وألا يكون فيه حق للآخرين بأن يكون مغتصباً أو لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن من مالكه.

وقد روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن النبي (صلى الله عليه وآله) سأل ربه سبحانه ليلة المعراج قال يا رب أي الاعمال افضل؟ يقول الله تعالى في هذا الحديث القدسي مخاطبا النبي (صلى الله عليه وآله) : “يا أحمد إن العبادة عشرة أجزاء تسعة منها طلب الحلال، فإذا طيبت مطعمك ومشربك فأنت في حفظي وكنفي” (بحار الأنوار، ج74، ص27)

 فإذاً أول أدب من آداب الأكل أن تدقق فيما تأكل P فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَىٰ طَعَامِهِO (سورة عبس، 25) هذا الطعام قد يكون حلالاً أو – لا سمح الله – لا يكون كذلك؛ كأن يكون مال الغير أو مالاً فيه شبهة.  وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) في كلام آخر له “من أكلَ الحلالَ قامَ على رأسه ملكٌ يستغفر له حتى يفرغ من أكله” (مكارم الأخلاق، ص150).

وأما الأدب الثاني فهو غسل اليدين قبل الطعام، وفيه قال النبي (صلى الله عليه وآله) “الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي الهمَّ ويصحح البصر” (مكارم الأخلاق، ص139)، ويقول بعض العلماء إن المقصود من الوضوء هنا هو غسل اليدين وليس الوضوء، ولكن بما أن بعض الروايات تصرح بغسل اليدين يبدو أنه يختلف، فهذا العمل العبادي أي الوضوء بركةٌ لكل شيء، لذلك هناك أدلة عامة على استحباب الوضوء للمؤمن دائماً ليكون على طهارة دائماً ولو لم يُرد الصلاة أو قراءة أو مسّ القرآن واسم الجلالة وما شابه ذلك، فالوضوء يعطي بركة لكل أعمالك حتى عندما تشتغل بشغلك العادي وأنت متوضئ، فقد يكون الغسل بمعنى نفس الوضوء، فإذا أردت أن تبدأ بالطعام تتوضأ وتجلس على المائدة وعندما تفرغ من الطعام تتوضأ، وإذا كان بمعنى غسل اليدين ففي هذا الأمر فوائد وارشادات صحية بما أنك عندما تريد تناول الطعام بأصابعك يجب أن تكون الأصابع نظيفة، وعندما تفرغ من الطعام قد تكون يدك مغمورة بالدهن وما شابه ذلك فعليك أن تنظفها.

وأما بالنسبة لغسل اليدين هناك أمر آخر بالنسبة للمضيف؛ إذا كنت مضيفا وعندك ضيوف أول من يتوضأ أو يغسل يديه للطعام هو المضيف فيقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): ” الوضوء قبل الطعام يبدأ صاحب البيت لئلا يحتشم أحد، فإذا فرغ من الطعام بدأ بمن عن يمين (صاحب) البيت حراً كان أو عبداً… وإذا رفع الطعام بدأ بمن على يسار صاحب المنزل ويكون آخر من يغسل يده صاحب المنزل لأنه أولى بالصبر على الغمر” (الكافي، ج6، ص290)، يعني لأن لا يستحي أحد من الضيوف، ويؤخر غسل يديه عن الضيوف حتى لا يستحيوا فربما يريدون أن يواصلوا في الطعام فإذا غسل المضيف يديه استحيوا أن يتابعوا.

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال “من غسل يده قبل الطعام وبعده عاش في سعة وعوفي من بلوى في جسده” (مكارم الأخلاق، ص139) ونحن متعبدون بما يقول الائمة (عليهم السلام) وقد نعرف سبب هذه الاحكام وقد لا نعرف، فإذا عرفنا فهو وإلا فنقبل منهم لأنهم معصومون يتصلون بمنبع الوحي، ونعرف أنهم لا يقولون إلا بما علمهم جدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي تعلم من الله تعالى.

والثالث من آداب الأكل والشرب بدأ الطعام بذكر اسم الله تعالى على الطعام، فقد ” سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إنا نأكل ولا نشبع، قال: لعلكم تفترقون عن طعامكم، فاجتمعوا عليه، واذكروا اسم الله عليه يبارك لكم” (مكارم الأخلاق، ص172) فلا تأكل منفرداً بل كُلْ مع أهلك وأصدقائك.

وعن عَمر بن قيس قال دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) بالمدينة وبين يديه خُوانٌ وهو يأكل فقلت له: ما حدُّ هذا الخوان؟ فقال: إذا وضعته فَسَمِّ الله، وإذا رفعته فاحمد الله، وقُمَّ ما حول الخوان، فهذا حده” (مكارم الأخلاق، ص) أي ابدأ ببسم الله واختم بحمد الله تعالى.

والأدب الرابع هو التحميد، “عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطاعم الشاكر، لهُ من الأجر كأجرِ الصائمِ المحتسب” (الكافي، ج2، ص94)، هذه ليست كلمات للمجاملة، بل كلمات تفوه بها رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا يبالغ ولا يجازف، فكن متأكداً أنه عندما يقارن هذا الطاعم الشاكر مع الصائم المحتسب فإنّ له ثواب الصائم المحتسب.

وأما الخامس من آداب الأكل فهو عدم المشي عند الأكل، فعن عبد الله بن سنان عن بي عبد الله (عليه السلام) يقول قال لي الإمام (عليه السلام) “لا تأكل وأنت تمشي إلا أن تضطرَّ إلى ذلك” (وسائل الشيعة، ج24، ص261) فإذا كنت مستعجلاً لتصل إلى عملك أو لديك مبرر آخر يمكنك الأكل وأنت تمشي، ولكن لا تكنْ عادتك أن تمشي وتأكل، بل اجلس في مكان مرتاحاً ولا تأكل ماشياً.

وأما الأدب السادس للأكل فهو عدم الاكل والشرب قائماً، فعن قتادة “عَنِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، أنَّهُ نَهَى أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ قَائِمًا. قالَ قَتَادَةُ: فَقُلْنَا فَالأكْلُ، فَقالَ: ذَاكَ أَشَرُّ” (صحيح مسلم، 2024) أي لا تأكل ولا تشرب إلا وأنت جالس، وهذا الأمر مؤكدٌ عندما تريد أن تشرب ليلاً فعليك أن تجلس وتشرب، ولكن هذا الأمر عام لجميع الأحيان، وتعرفون أن هذه الأوامر ليست أوامر واجبة بل هي مستحبة، فاذا قمت وشربت وأكلت فأنت لست مذنباً، والأفضل أن تجلس، وللأسف الشديد قد تسربت بعض الطقوس والعادات من الأجانب في أوساط الأمة الإسلامية، فمثلاً في بعض الاحتفالات ترى أنهم يضيّفون الناس قياماً.

وأما الأدب السابع فهو خلع الحذاء عند الأكل، فعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إذا أكلتم فاخلعوا نعالكم فإنه أروح لأقدامكم” (وسائل الشيعة، ج5، ص66)، وإنها سنة جميلة؛ فعندما تكون الرِجل خارج النعل تكون في راحة وإذا كان الجسد في راحة تأكل بشهية.

وأنا أتذكر بعض أطباء الأطفال إذا جاءه طفل لا يرضع حليب أمه ويبكي كثيراً يشير الطبيب إلى أن الطفل يشعر بمشكلة وحرارة وليس في راحة، ويقول: عليكم أن تخففوا عنه بعض الملابس لأنه عندما يرضع له نشاط فهذا يؤذيه إذا كانت ملابسه كثيرة فخفف من لباسه حتى يكون مرتاحاً، وأنت عندما تريد أن تجلس على المائدة يجب أن تكون خفيفاً حتى تأكل بسهولة لأن عملية الأكل أيضاً بحاجة إلى طاقة، فتخفف مثلاً بهذا الطريق بأن تخلع نعليك عندما تجلس على المائدة كما يقول المعصوم (عليه السلام).

والثامن من الآداب عدم الأكل في السوق، هذا حديث مشهور عن الرسول (صلى الله عليه وآله) : “الأكل في السوق دناءة” (مكارم الأخلاق، ص149) فهو يحطُّ من شأن الإنسان المؤمن إذ ترى الناس يتفرجون عليه، والأفضل للمؤمن أن يكون في مكان محفوظ كأن يكون في مطعم فيه مكان للجلوس، وخصوصاً إذا كان مع أهله.

هذه هي الطريقة المثلى للحياة وقد علمنا إياها المعصومون قبل أربعة عشر قرناً، ولحد الآن هي تعليمات غضة طرية كأنها قد عُلِّمَتْ لهذه الأيام لنا، وفيها من مظاهر التقدم والتحضر وعلينا الالتزام بما قاله المعصومون عليهم صلوات الله.

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة المصلون أيتها الأخوات المصليات أهنئكم وأبارك لكم بمناسبة حلول شهر شوال المعظم وحلول عيد الفطر المبارك السعيد أعاده الله علينا وعليكم بالخير والبركة والانتصار.

وفي هذه الأيام تمر علينا أحداث أليمة وانتصارات كبيرة؛ مجزرةٌ هائلة ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق الطالبات في مدرسة سيد الشهداء بمدينة كابل في أفغانستان، فهذه الكارثة المؤلمة لن تنساها الضمائر الحرة، ولكن لا ندري أين المنظمات الدولية التي دائماً تبحث عن ذريعة حتى تصرخ في وجوهنا منددة بأحكام الإعدام لمهربي المخدرات في إيران معتبرين ذلك من مصاديق مخالفة حقوق الإنسان، كيف لا يرون هذه الجرائم وكيف يتغاضون عنها بكل برودة.

هذه هي ازدواجية معايير هؤلاء الكاذبين، الذين تبيّن أنهم ليسوا بصدد حفظ حقوق الإنسان، بل يهتمون بحقوق أنفسهم وبأن تفتح الطرق أمام جرائمهم، تلك الجرائم التي ارتكبها الصهاينة هذه الأيام في المسجد الأقصى الشريف وما ارتكبوه من اعتداءات على حي الشيخ جراح ومحاولة إخلاء السكان العزل من بيوتهم، ولم يتصور هؤلاء أن أبناء المقاومة سيردون عليهم بردٍ قاسٍ شجاع، وكما ترون أن أبناء المقاومة الذين كانوا يحاربون الصهاينة بالحجارة باتوا اليوم يهزون الأرض بالصواريخ تحت أقدام الصهاينة الغاشمين.

هل نددت هذه المنظمات الدولية بالجرائم التي ارتكبها الصهاينة هذه الأيام؟ هل رؤوا الأطفال والنساء والأبرياء تحت أنقاض الأبراج السكنية في غزة المقاومة؟ لماذا يصمتون أمام هذه الجرائم؟

أيها الأخوة أيتها الأخوات، نحن كمسلمين يجب أن نعرف أن القدس قضيتنا، قضية كلِّ المسلم، بل كلُّ ذي ضمير حر في العالم له قضية هي قضية فلسطين والقدس، ولا يجوز أن نتخذ موقف المتفرج المحايد، ولا يجوز لأتباع أمير المؤمنين عليه السلام الذي حزن لسلب خلخال من رجل امرأة ذمّية تابعة له (عليه السلام)، كيف يسكت عن هذه الجرائم؟ فإذا كنت من شيعة علي فعليك أن تعرف أنه لا يمكن أن تكون محايداً إزاء هذه الأحداث، خصوصاً هذه الجريمة ارتكبها نفس الذين اشعلوا نيران الحرب الكونية في هذا البلد وفرضوا على البلد هذه الحروب الدامية، هؤلاء أنفسهم الذين صنعوا داعش وما شابه داعش، فلا نقبل بأن يهجروا إخواننا وأخواتنا من بلادهم ومن بيوتهم.

أوليس آل سعود وآل نهيان وآل فلان وآل فلان عملاء لهؤلاء؟ وخططهم هي نفسها؟ فيبدو بأن هؤلاء يتعلمون من المحتلين في فلسطين

أيها الإخوة، لقد صدر بيان عن سماحة آية الله العظمى السيد علي السيستاني المرجع الديني لشيعة آل البيت عليهم السلام بشأن فلسطين، ومن لا يبالي بهذه القضية لا يمكن أن يحسب نفسه من شيعة علي (عليه السلام)، فلنتعلم من مراجعنا العظام، فهذا هو موقف أتباع أهل البيت ألا يكونوا محايدين في هذا المجال، فإذا استطاعوا ببطشهم واجهوا الصهاينة وإن استطاعوا بمالهم فعلوا، وان لم يستطيعوا فبلسانهم، فليعلم كل مسلم أن الهتاف ضد “إسرائيل” هو كلمة حق في وجه الباطل فيكون له ثواب ذلك، وأنا أضمن هذا الأمر، فعلى الأقل لا تبخلوا بأصواتكم القوية وعليكم أن تصرخوا في وجه هؤلاء الطغاة “الموت لإسرائيل”

أيها الإخوة، أما هؤلاء الذين يزرعون في قلوب الناس اليأس وعدم الثقة بالنفس من خلال وسائل الإعلام من الفضائيات ومن قنوات التواصل الاجتماعي ويقولون لا جدوى وراء هذه المقاومة ماذا نجد بعد هذه المقاومة؟ فقولوا لهم نحن عقلاء ونرى تباشير النصر من خلال المقاومة.

أيها الإخوة إن الرضوخ للعدو سبب لأن يتجرأ أكثر فهو لا يقتنع بأراضي فلسطين، واذا استطاع أن يتوسع سيفعل، فعلينا أن نعرف ولا ننخدع بما يبثونه من خلال هذه القنوات التي تعرفون أن الصهاينة يهيمنون عليها، وهناك وثائق بينة واضحة أن وراء كواليس هذه القنوات ليس إلا الصهاينة، وهؤلاء الذين يبثون الفرقة ويشرذمون الأمة والناس يظنون أن هذه بركة حرية التعبير، وليس الأمر هكذا، ويحاول هؤلاء الإيحاء للثذّج من الناس أن الكلام كلامهم، والحال أن الأعداء يطبخون والمخذّلون يوزعون، هكذا يعملون في قنوات التواصل.

أيها الإخوة أيتها الأخوات كونوا على ثقة بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) وبما وعد الله تعالى المؤمنين من النصر النهائي Pإنْ تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكمO هذا وعد إلهي غير مكذوب، والله هو أصدق الصادقين فكيف تشك في كلام الله تعالى، كما قال موسى بن عمران (عليه السلام) عندما قال له قومه إنا لمدركون Pقال كلّا إني معي ربي سيهدينO ولنا إمام دلنا على أن الانتصار قريب ولا بد أن تزول إسرائيل، ونحن نثق به كما نثق بما قال نبي الله موسى (عليه السلام) أنه مع ربه وربه يدله على أن هذه الطريق قد فتحت وتباشير النصر قد بانت وإن شاء الله سنصلي في القدس بإذن الله قريباً.

أيها الإخوة إن بعض المسلمين ضحكوا مما بشر به النبي (صلى الله عليه وآله) في غزوة الأحزاب، فعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: ” لما حفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الخندق مروا بكدية (قطعة صخر غليظة) فتناول رسول الله (صلى الله عليه وآله) المعول من يد أمير المؤمنين (عليه السلام)  أو من يد سلمان ( رضي الله  عنه) فضرب بها ضربة فتفرقت بثلاث فرق، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لقد فتح علي في ضربتي هذه كنوز كسرى وقيصر، فقال أحدهما لصاحبه: يعدنا بكنوز كسرى وقيصر وما يقدر أحدنا أن يخرج يتخلى” (الكافي، ج8، ص216).

عندما قال الإمام الخميني إننا نقدر أن نفرض الهزيمة على إسرائيل البعض كانوا يضحكون ويقولون إنه لا نعرف إن كانت حكومته تبقى أو لا تبقى، فاعلموا أن مثل هذا قد حدث من قبل، وفي كل يوم كان هناك مرجفون في المدينة يرجفون الناس من الرجاء والأمل في المستقبل، فعليكم أن تعرفوا وتصمدوا، وان شاء الله ستجدون ثمار المقاومة Pوأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقاًO هذا هو وعد الله تعالى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.