خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 9 شوال 1442 هـ

الجمعة 9 شوّال 1442ه

الخطبة الأولى:

تحدثنا فيما سبق حول أسلوب الحياة في الرؤية الإسلامية عن آداب الأكل والشرب، ووصلنا إلى أن أهل البيت (عليهم السلام) أوضحوا بعض الآداب حول ذلك.

ومن هذه الآداب أنه لا يصلح أن ننفخ في طعامنا، فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) في حديث نقل عنه (عليه السلام) أنه رخص في النفخ في الطعام والشراب بأنه ليس حراماً ولكن مكروه أن تنفخ في طعامك فقال الإمام (عليه السلام) “إنما يكره ذلك لمن كان معه غيره لكي لا يعافه” (معجم المحاسن والمساوئ، ص254)، فقد يستاء من يجلس بجانبك من هذه النفخة، وفي بعض كلمات الأطباء حالياً أن النفخ في الطعام يولد الحامض الذي يضر بجهاز الهضم وقد يكون هذا هو السبب في كراهة النفخ في الطعام.

والآدب الآخر أنه لا يجوز الأكل منبطحاً على البطن، فعن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه نهى أن يأكل الرجل وهو منبطحٌ على بطنه، وطبعاً نحن بطبيعة الحال هذه الحالة نحن نكرهها فلا تجد من يأكل بهذا الشكل، ولكن يبدو أنه قد حدث مثل هذا فنهى النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك.

كما نهى النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته عن أكل الطعام الحار، فبإسناده عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: “إن النبي صلى الله عليه وآله أُتي بطعام حار جدا،ً فقال: ما كان الله عز وجل ليطعمنا النار، أقروه حتى يبرد ويمكن، فإنه طعام ممحوق البركة، وللشيطان فيه نصيب ” (الكافي، ج6، ص322).

لقد قال النبي (صلى الله عليه وآله) أن الطعام الساخن ممحوق البركة وللشيطان فيه شرك، وقد يفهم من هذا الشيطان ما كنا سابقاً نقوله من أن الشيطان كثيراً ما يقصد منه في هذه المجالات الجراثيم، ولكن ربما فيه أسرار متعلقة بالجن، والشيطان من الجن ،ونحن لا نعرفها بالضبط ولكننا نتعبد بما يقول النبي (صلى الله عليه وآله) فنجتنب الطعام الحار جداً، لا الطعام الدافئ، ويقول الأطباء أن هذا يضر بجهاز الهضم ويسبب سرطان المريء والأفضل أن يبرد شيئاً ما.

وكذلك نقل عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) حديثاً آخر بنفس هذا الطريق: ” أقروا الطعام الحار حتى يمكن أخذه، فإن فيه خصالاً إذا أمكن: سوى فيه البركة، ويشبع صاحبه، ويأمن فيه الموت ” (مستدرك الوسائل، ج16، ص308) أي أقرّوه إلى الحد الذي يمكنك أخذه إذا أردت أن تأكله باليد ، وقوله النبي “ويأمن فيه الموت” يعني أنه لا يضره ويأمنه من الموت، أي لا يضره بحيث يمرضه وييعجل في موته.

هناك أدب آخر للأكل هو عدم الأكل حال الجنابة، وفي الرسائل العملية تقرأ أنك إذا أردت أن تخفف من هذه الكراهة تتوضأ ولو أنك لم تغتسل أو على الأقل تغسل يدك، هكذا تخفف من هذه الكراهة، وفي الحديث: “حدثنا الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الأكل على الجنابة وقال إنه يورث الفقر” (وسائل الشيعة، ج1، ص496) وهذا سرٌ معنوي كما ترون لا يمكن أن نبرره ونوجهه بتوجيهات طبية وصحية، ونحن كما قلت نتعبد بما يقول النبي (صلى الله عليه وآله) فهو الصادق الأمين وعندما يخبر أن هذا يورث الفقر فهو حتماً يورث الفقر، إذاً اجتنب عن الفقر بأن تطبق هذا الأمر من النبي (صلى الله عليه وآله).

وتعرفون أن ما نقول ليس بمعنى أنه حرامٌ، بل معناه أنه مكروهٌ وإلا عندما تريد أن تأكل على الجنابة هذا ليس حراماً ولكنه مما لا يحبه الله، والله يكره هذا والمؤمن لا يفعل شيئاً لا يحبه الله، فإذا عرفت أن الله لا يحب هذا العمل فلا تعمله.

وفي حديث آخر عن ابن عباس قال: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) خمس خصال تورث البرص… والأكل على الجنابة” (مكارم الأخلاق ص62)، وهذا أثر ظاهري مادي صحي يترتب على الأكل حال الجنابة، فكونه يورث الفقر هذا من الناحية المعنوية حيث يكون له أثر ويغيب عنا، ولكن أنْ يورث البرص فهذا قد يعرفه العلماء والأطباء في المستقبل، ولو أننا اليوم ما أُخبِرنا بأن الأطباء ويعترفون بهذا الأثر فقد يجدون هذا في المستقبل.

إن ما قلناه كان حول بعض آداب الأكل بشكل عام، وأما بالنسبة لبعض فنذكر أولاً الأكلُ جماعةً، فلا نأكل منفردين، والأحاديث في هذا الأمر عجيبة وغريبة، وبعض كلماتها تعابير قاسية حيث تنهى نهياً باتاً عن الأكل منفرداً، فقد قال (صلى الله عليه وآله) “أحبُّ الطعام إلى الله تعالى ما كَثُرتْ عليه الأيدي” (بحار الأنوار، ج59، ص290)، أيْ يجلسون جماعةً ويأكلون مع بعض، وتعرفون أن هذا يؤثر على الإنسان نفسياً، فترى أنك حين تكون منفرداً تأكل الطعام قد لا تجد لذتهُ كما لو كنت تجلس مع زوجتك وأهلك تأكل، مع أن الأكل هو نفسه الذي تعودت عليه وأحببتَهُ، ولكن عندما تأكله منفرداً لا تشعر بارتياح.

وينقل أبو حمزة الثمالي عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) “ألا أخبركم بشرار رجالكم؟ قلنا بلى يا رسول الله فقال: إن من شرار رجالكم البهّات الجريء الفحاش الآكل وحده والمانع رفده والضارب عبده والملجئ عياله إلى غيره ” (الكافي، ج3، ص716) يقرن النبي بعض هؤلاء مع بعض، ومعنى أن يلجئ عياله أي لا يهتم بهم، ويفيد الحديث أن الأكل منفرداً مبغوض عند الله تعالى ولكن على حد الكراهة وليس الحرمة. وقال (صلى الله عليه وآله) “البركة في ثلاثة: في الجماعة، والثريد، والسحور” (صحيح الجامع، ص2882).

وكذلك رواية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الطعام إذا جمع أربَعَ خصالٍ فقد تمَّ: إذا كان من حلال، وكثرت الأيدي، وسمي في أوله، وحمد الله عز وجل في آخره”. (الكافي، ج6، ص273)، بهذه الخصال يكون الطعام تاماً في رؤية النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن الآداب أنك إذا هيأت مائدة تدعو الجميع ولا تفرق بين الغني والفقير، خصوصاً لمن كان من وجهاء القوم، كأن يكون عالم دين أو رئيس القوم أو رئيس البلد أو مسؤولاً مديراً، فإذا دعا الناس لا يكون غنيهم مدعواً وعائلهم مجفواً على – حد قول الإمام علي (عليه السلام) في كتابه إلى عثمان بن حنيف – فهكذا كانت سيرة أهل البيت (عليهم السلام)، وقد وُصِفَ الإمام الرضا (عليه السلام) بأنه كان إذا خلا ونصب مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه ومواليه حتى البواب والسائس.

وقد عاتب الإمام علي (عليه السلام) عثمان بن حنيف الذي كان من المخلصين لخط الإمام (عليه السلام) وكان والياً على البصرة: “أمّا بعد يا ابن حنيف، فقد بلغني أن رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ وغنيّهم مدعوّ” (نهج البلاغة، الكتاب 45)، مع أنّ ابن حنيف لم يهيئ هذه السفرة، وكان المدعو إليها هم الأغنياء فقط ولم يُدعَ الفقراء، فنبّه الإمام (عليه السلام) إلى وجه قبول هذه الدعوة.

الخطبة الثانية

من المناسبات في هذا الأسبوع المنصرم اليوم الثامن من شهر شوال المعظم، وهي الذكرى المؤلمة لهدم قبور أئمتنا الهداة (عليهم السلام) ببقيع الغرقد بيد الوهابيين الذين لو تجرؤوا لهدموا قبر النبي (صلى الله عليه وآله) كما أنهم أشاروا إلى هذا الأمر.

في أول رحلتي إلى الحج أعطاني أحد دعاة الوهابية كتاباً فيه تحذير من اتخاذ المساجد عند القبور _ بهذا الاسم تقريباً –  وعندما طالعت هذا الكتاب استغربت؛ إذ ما كنت أعرف تاريخ ما حدث على قبور أهل البيت (عليهم السلام) وما حدث في أيام هؤلاء الوهابيين، وقد كتبوا – بوقاحة –  أنه يجب أن تهدم القبة الخضراء والقفص الذي على مرقد النبي الأعظم في المدينة المنورة، وهذا لحد الآن من طموحاتهم، وإذا تجرؤوا سيقترفون هذا الجريمة.

وقد ذكروا أن المفتي السابق لديهم عبد العزيز بن باز جاء ووجهه نحو المرقد الشريف وأشار بيده – مع أنه كان أعمى-  وعبر عما كان في ضميره وقال: فلتُهدم هذه القبة!.

هكذا هم جريئون على جميع المقدسات بتهمة أنها شرك، مع أنهم يشركون بالله أعداءَ الله، إذ هم عبدة أمريكا وأخيراً أصبحوا أصدقاء لأعداء الأمة ولقتلة الأنبياء ولقتلة الأبرياء والأطفال، أليس هذا شركاً؟ أم أنك إذا بنيتَ قبة لتكريم أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله) هذا يكون شركاً!

نحن واثقون بأنه سيأتي يوم نعيد فيه بناء جنة البقيع بشكل يليق بشأن هؤلاء الأئمة (عليه السلام) وبعض الصحابة الموجودين هناك، وعمات النبي وزوجاته وأم البنين وفاطمة بنت أسد، الذين لا يصلح أن تكون مراقدهم هكذا خربة وغير صالحة لشأنهم.

وأما بالنسبة لجرائم الصهاينة التي ارتكبوها في فلسطين هذه الأيام، وتوقفوا أذلاء عن الهجوم وتذرعوا فقالوا فلان وفلان جاء وطلب منا ووافقنا على وقف إطلاق النار، فالحقيقة أنهم أرغموا على أن يوقفوا هذه الجرائم خوفاً على أنفسهم، إذ كيف يعقل أن هؤلاء أغلبية – كما يقولون أن ثمانين بالمئة من سكان الأرض المحتلة هم اليهود –  كانوا في الملاجئ، كيف يقدرون أن يعيشوا في الملاجئ لفترة طويلة؟

أما الشعب الفلسطيني فليس لديه ما يخسره، وأبناؤه صامدون مصرون على حقهم، ولم يتخلوا عن شبر من أوطانهم، يريدون كل فلسطين وسيحررون كل فلسطين بإذن الله تعالى.

وقد كان المتوقع من المنظمات الدولية أن تردع الظالم عن ظلمه، ولكنها بقت متفرجة، بل كانت تشجع الظالم الصهيوني وتقول إنه يدافع عن نفسه! بضرب الأبرياء يقولون أنه يدافع عن نفسه، احتل الصهاينة الأراضي الفلسطينية والآن يدافعون بشراسة عما احتلوه، كما لو أن سارقاً يأتي ويشتبك معك ويضربك وتقول الشرطة أن هذا السارق يدافع عن نفسه فلماذا ضربته ودفعته وطردته من بيتك؟! هذا كلام سخيف، وأي عقل يقبل هذا؟

وأسوأُ من هذا وأقبحُ موقفُ هؤلاء المطبّعين، ماذا كانوا يريدون؟ كانوا يريدون العزَّ بجانب هؤلاء الغاشمين، والعزة لله جميعاً، وأنتم أيها المطبعون بأموالكم وبالأسلحة التي زودكم بها الأمريكان لا تستطيعون أن تدافعوا عن أنفسكم ولا شيء بأيديكم، وتظنون أن العزة لكم الآن، ولكن استنقذت شعوبكم هذه الأسلحة منكم سيكون وبالها عليكم، ويجب عليكم حينها أن تهربوا من بلادكم أذلاء.

إن هؤلاء المطبّعين يدافعون بوقاحة عن الصهاينة، ويفتحون أبواب بيوتهم وبلادهم لهم ويرفعون أعلام الصهاينة في بلادهم، وعندما يقع العدوان يقولون “نحن متطوعون بأموالنا لنبني غزة”، فنقول لهم: لا يريد أهالي غزة هذه الأموال التي نهبتموها من شعوبكم ولا تصرف لصالح شعوبكم، بل أنتم تدفعون كل يوم لدمار شعوبكم، أو لتدمير سورية أو العراق، وهذه الأموال الوسخة لا تصلح أن تصرف لبناء غزة، أنتم توفرون الظروف للصهاينة أن يعتدوا على أهلنا، وبعد ذلك تقولون نريد أن نبني عزة ونريد أن نبني فلسطين، بل أنتم مجرمون وشركاء لهؤلاء المجرمين ويجب أن تحاكموا بجانب مجرمي الحرب مثل نتنياهو في محكمة عادلة إن شاء الله تعالى، ونحن واثقون بأنه سيأتي ذاك اليوم.

نحن الآن نعتقد أن القدس أقرب إلى التحرير من أي وقت مضى، والفلسطيني الذي كان بيده حجارة يهز الآن عروش الطغاة، فلا أعلم كيف يفكر خونة العرب! هؤلاء سيندمون ولكن يوم ندمهم سيعلمون أنه قد ولى زمان الندم، ونحن بإذن الله تعالى منتصرون.

وأنتم إيها الشعب السوري المؤمن الذي يجرّب نفسه في أجواء الديمقراطية وفي ظروف قاسية بعد هذه الحرب الكونية، لقد كان هؤلاء المتآمرون يريدون أن يعلموكم الديمقراطية، وأيٌّ من هذه الدول مثل السعودية أجرى انتخابات في أرضه؟! حيث يقولون أن سورية وإيران لا وجود للديمقراطية فيهما! أأنتم تفهمون معنى الديمقرطية؟ أيُّ مسؤول في السعودية انتُخِبَ من الشعب؟ هل يوجد لديهم برلمانٌ انتخبه الشعب؟ فكيف يتحدث هؤلاء بوقاحة عن الديمقراطية؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.