خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 16 شوال 1442 هـ

الجمعة 16 شوال 1442ه

الخطبة الأولى:

كنا نتحدث عن أسلوب الحياة في الرؤية الإسلامية، ووصلنا إلى بعض آداب الأكل، ومن السنن الأكل مما يليك؛ فأمامك شيء من الطعام وفي مكان آخر من السفرة أمام الآخرين شيء، فلا يجوز أن تمد يدك إلى ما هو أمام الآخرين، قال ابن عمر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إذَا وُضِعَتِ‏ الْمَائِدَةُ بَيْنَ‏ يَدَيِ‏ الرَّجُلِ‏ فَلْيَأْكُلْ مِمَّا يَلِيهِ وَلَا يَتَنَاوَلْ مِمَّا بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسِهِ، وَلَا يَأْكُلْ مِنْ ذِرْوَةِ الْقَصْعَةِ فَإِنَّ مِنْ أَعْلَاهَا تَأْتِي الْبَرَكَةُ، وَلَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَإِنْ شَبِعَ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خَجِلَ جَلِيسُهُ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الطَّعَامِ حَاجَةٌ” (مكارم الاخلاق، ص149)،  فالأكل من وسط القصعة ليس من الأدب الإسلامي، ورفع اليد قبل الشبع قد يخجل الجليس إن كان يريد الاستمرار في الأكل، فالأفضل أن تداريه وتجاريه وتنسحب حين ينسحب عن السفرة.

وأما كيفية الجلوس على المائدة فلا تكون كما يفعل الجبابرة إذ يتكئون عندما يأكلون على عروشهم، وليس هذا أدب الأنبياء بل إنهم كانوا في الطعام كأنهم يهوون إليه، وعن أبي بصير عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “إذا جلس أحدكم على الطعام فليجلس جلسة العبيد، ولا يضعن أحدكم إحدى رجليه على الأخرى ولا يتربع فإنها جلسة يبغضها الله عز وجل ويمقت صاحبها ” (الكافي، ج6، ص272)، فإذا أردت تناول الطعام فاجلس كما يجلس العبيد على الركبتين.

والأدب الآخر هو الأكل على مهلٍ ومن دون استعجال، فقد ترى بعضاً عندما يأكلون يفرغون بسرعة من الطعام وهذا يؤثر عليهم من ناحية الصحة كما يقول الأطباء حالياً، إذ يقولون: فليأكل الإنسان على مهل وليمضغ جيداً كما يقول النبي (صلى الله عليه وآله) وكذلك الأئمة (عليه السلام) في أحاديثهم، فعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: “أطيلوا الجلوس على الموائد فإنها ساعة لا تحسب من أعماركم” (مكارم الأخلاق، ص141)، فلا تقلق؛ إنّ هذا لا يحسب من عمرك وعليك أن تتمهل في طعامك,

ومن السنن أيضاً قبول الدعوة إلى الطعام إلا إذا كان لك شيء يبرر رد هذه الدعوة، وعن أبي البختري عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه قال الإمام الباقر(عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “ثلاثة من الجفاء… وأن يدعى الرجل إلى طعام فلا يجيب أو يجيب فلا يأكل” (قرب الإسناد، ص74)، وأنا أذكر من الحديث موضع الحاجة، فإذا أجبتَ الدعوة فعليك أن تأكل، وإلا احتُسب هذا إهانة لصاحب وكان هذا من الجفاء.

ومن السنن أيضاً عدم الحضور لمائدة لم تدعَ إليها، فبعض يسألك أين تذهب؟ تقول أنا مدعوٌ للطعام عند فلان فيقول هو من أصدقائي، أنا أيضاً آتي. فليُعلم أن الداعي لو كان يريد أن يدعوك لفعل ذلك، ولكنه لم يدعُكَ ربما لظروف وأسباب، وربما يدعوك في وقت آخر، فلماذا تذهب بدون أية دعوة؟

وقد لا يحدث شيء لذهابك بلا دعوة وقد يستحيي صاحب البيت أن يقول لماذا أتيت؟ وخصوصاً عند العرب الذين هم كرماء، بخلاف ما عند الغربيين الذين قد يسألون هذا بدون مجاملة، ولكن عندنا وعندكم – أي العرب والإيرانيين –  معيبٌ أن يأتي شخص وتقول له شيئاً يحسب إهانة، وعن حماد ابن عمر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال في وصيته له – يعني للإمام علي (عليه السلام)- : “يا علي ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم … الذاهب إلى مائدة لم يدعَ إليها” (الخصال، ص410)، فإذا أهين هذا الشخص فلا يلومن إلا نفسه فهو الذي عرّض نفسه للإهانة، ولا يمكن أن نوجه التقصير في ذلك إلى صاحب ذاك البيت، إذ ربما بحسب ظروفه هكذا رتب الأمر.

ومن السنن أن يكون الخضر موجوداً على المائدة، والحمد الله أنتم ملتزمون بهذه السنة، فعندما تمر بالسوق ترى أن أهل هذا البلد يستفيدون من الخضر كثيراً، وهذا أدب أهل البيت (عليهم السلام)، فعن أحمد بن هارون قال: “دخلت على الإمام الرضا (عليه السلام) فدعا بالمائدة فلم يكن عليها بقلٌ فأمسك يده ثم قال يا غلام أما علمت أني لا آكل على مائدة ليس عليها خضراء فأتِ بها، قال فذهب وأتى بالبقل فمد الإمام (عليه السلام) يده فأكل وأكلت معه” (مكارم الأخلاق، ص176)،بهذه الدرجة من الأهمية يريدون أن يعلمونا، وهذا يمكن أن نحسبه وصية صحية، فمن المفيد لصحة الإنسان أن يأكل مع طعامه الخضر.

وروي عن الإمام المجتبى (عليه السلام) – ومثل هذا الحديث نقل عن النبي (صلى الله عليه وآله) – عن إبراهيم الكرخي عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال الحسن بن علي المجتبى (عليه السلام): “في المائدة اثنتي عشرة خصلة، يجب على كل مسلمٍ أن يعرفها: أربعٌ منها فرضٌ، وأربعٌ منها سنّةٌ، وأربعٌ منها تأديبٌ.. فأما الفرض: فالمعرفة، والرضا، والتسمية، والشكر. وأما السنة: فالوضوء قبل الطعام، والجلوس على الجانب الأيسر، والأكل بثلاث أصابع، ولعق الأصابع. وأما التأديب: فالأكل مما يليك، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، وقلة النظر في وجوه الناس” (الخصال، ص485)، والوجوب في الرواية ليس وجوباً بمعنى أنك إذا خالفت يكون حراماً، بل المعنى أنه يلزم للمسلم أن يعرف هذا، والأدب أدب السفرة سنةٌ وفرض ولكن هذا الفرض ليس بمعنى أنه فريضة واجبة بل بمعنى السنة المؤكدة والمستحب المؤكد.

وبعض العلماء يقولون أن المقصود بالمعرفة هنا معرفةُ أنّ هذا الطعام من الحلال، وبعض يقولون معرفة المنعم، وأنا أقول كلاهما صحيح؛ أي معرفة أنه حلال وأن منعمه هو الله تعالى.

والشكر أن تحمد الله عقب كل لقمة وهذا من السنة، أنك عندما تبلع لقمة تقول الحمد لله، ولكن على الأقل في نهاية طعامك وعند فراغك تقول الحمد لله.

وأما السنة الرابعة فالوضوء قبل الطعام، والمقصود من الوضوء كما قلنا سابقاً غسل اليدين وليس الوضوء المعهود للطهارة مع أن هذا أفضل، والإنسان مهما أمكن أن يكون طاهراً يجد البركة، وكل عمله يصبح عبادة.

والجلوس على الجانب الأيسر يعني أن تتكئ على الجانب الأيسر، وبعض الروايات تقول ينصب الرجل اليسرى أي أن يضع واحدة على الأرض وتكون الأخرى منصوبة، فهذه كانت سنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الطعام. والأكل بثلاث أصابع إذا كنت تأكل باليد، فعلى الأقل أن تأكل بثلاثة أصابع لأنه ورد استحباب الأكل بجميع الأصابع أيضاً، وهذا الأمر حذراً مما كان يعمل المستكبرون الجبابرة إذ كانوا يأكلون بإصبعين. والسنة الأخرى لعق الأصابع، طبعاً بشرط أن تكون قد غسلت يدك جيداً حتى لا تدخل الجراثيم في الجهاز الهضمي.

وأما الأربعة التي في التأديب: فالأكل مما يليك كما قلنا، وتصغير اللقمة؛ وهذا أدب أولاً ولصحتك وثانياً لأنه قد يستاء الآخرون عندما يرونك تتناول لقمة كبيرة فهذا لا يليق بالمؤمن، وقد كان أهل البيت (عليهم السلام) يصغرون اللقم.

والمضغ الشديد أيضاً من التعليمات الصحية والأخلاقية في الوقت نفسه، فهي أخلاقية لأن الطبع الإنساني والفطرة السلمية تقبل هذه التعليمات، وعندما يسمع رجل غير مسلم بها يعترف بأن هذه التعليمات تعليمات ممتازة.

ومن التأديب قلة النظر في وجوه الناس، فبعضٌ يأكل ونظره دوماً إلى الآخرين، وقد يخجَلُ هذا الذي يحدق ببصره إلى فمه كيف يأكل وماذا يأكل.

إذاً هذه مجموعة من اثنتي عشرة خصلة ذكرها الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) عن جده (صلى الله عليه وآله).

الخطبة الثانية:

أيها الإخوة والأخوات في هذه الأيام تمرّ علينا بعض المناسبات مثل ذكرى استشهاد حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد شهداء أحد، الذي كان له دور مهم في إعلاء كلمة الحق.

وكذلك مناسبة مهمة في هذا البلد، حيث الشعب السوري كان يعاني – وما زال – من مشاكل ناجمة عن نوايا خبيثة من قبل القوة العظمى في العالم.

تتذكرون أن الاتحاد الأوروبي والأمريكيون الخبثاء وجلاوزتهم وعملاؤهم في المنطقة كانوا يريدون أن يدمروا هذا البلد إذا لم يقبل قادتكم ويخضعون لما كان يريده هؤلاء، فلم يقبلوا إملاءات القوة العظمى وصمدوا.

أنتم شعب قاومتم هذه الإملاءات، وقلتم نريد أن نكون أحراراً ونقف على أرجلنا ونكتفي بذاتنا ونتقوى ولا نريد أن نكون طفيليين لدى القوى العظمى وعملاء كبعض دول هذه المنطقة العميلة للمستكبرين، هذا ما أردتم وقاومتم وقاتلتم وصمدتم من أجله واستطعتم أن تملوا عليهم أن يفهموا أن هذا البلد لن يخضع لأي إملاء.

إن الشعب السوري يحدد مصيره بنفسه ولا يحتاج إلى من يملي إليه، فدخلتم في هذه المعركة، وقاطعوكم هذه المقاطعة الاقتصادية وفرضوا العقوبات التي إلى حد الأن تعانون من آثارها، إلى جانب الحرب الناعمة عليكم حتى يغيروا عقولكم.

قالوا: كيف تريدون أن تجروا انتخابات؟ ولمن تريدون أن تدلوا بأصواتكم؟ إلى من تسلمون هذا البلد؟ وأنتم بحمد لله لم تبالوا بهذه الكلمات.

وما زال قسم من هذا البلد الحبيب محتلاً ولكن الشعب يدلي بأصواته بأكثر من 18 مليون، وهذا يعني أن الشعب يريد هذا النظام لا المستكبرون هم الذين يملون عليه، وأبناء الشعب هم يختارون من يريدون ويعرفون ماذا يعملون.

وأنا أقدر هذه الأحاسيس والمشاعر وهذا الذكاء من الشعب السوري؛ أنه برغم هذا الهجوم الكثيف من الإعلام المعادي الذي أراد أن يمنعكم أن تحضروا  إلى صناديق الاقتراع رددتم عليهم رداً قاسياً بهذا التصرف.

نعم لقد اخترتم من رأيتموه مخلصاً في الأيام العصيبة، ذلك الذي كان يقدر أن يتخلى عن شعبه ويتركهم عندما كان المسلحون بالقرب من القصر الجمهوري، وقاوم وصمد وفضّل أن يكون من شعبه، وأنتم قلتم نحن نفضل هذا، واخترتموه وهذا حقكم. وعندما تريدون اتخاذ قراركم لا يمكن لأحد أن يقول لماذا أردتم هكذا؟ هذا هو حق الشعب أن يختار من يريد.

وأنا بدوري أهنئ سيادة الدكتور بشار الأسد بهذا الفوز، كما أني أدعو أن يوفقه الله لتحقيق إنجازات في تقديم الخدمة إلى شعبه إن شاء الله تعالى، ومحور المقاومة بأجمعه – ومنه الجمهورية الإسلامية – سيواصل دعمه لمن يخدم هذا الشعب المظلوم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.