خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 23 شوال 1442 هـ

الخطبة الأولى:

في هذه الخطبة نكمل ما كنا نبحثه حول آداب الأكل والشرب في الرؤية الإسلامية، حيث هناك تحذير من الإكثار في الأكل كما فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) “لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإن القلوب تموت كالزروع إذا كثر عليه الماء” (مكارم الأخلاق، ص150)، فهناك أثر سلبي على قلب الإنسان ومشاعره وروحيته ومعنوياته إذا أكثر في الأكل؛ فأنتَ لا تقدر على صلاة خاشعة إذا كان بطنك مليئاً بالطعام.

نعم؛ لا يوصي الإسلام بأن تكون جائعاً بل يقول لا تكثر في الأكل فإن كثرة الطعام والشراب تميت القلب، ويمثل النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك الزرع، إذ عندما تروي الزرع بمقدار من الماء وتكثر من الماء وتظن أن هذا يفيد في نمو النباتات هذا خطأ لأن هذا يميت النبات، وإذا ظننت أنك بالإكثار من الطعام تنتفع فلتتذكر هذا التمثيل للنبي (صلى الله عليه وآله) كما أن الماء الكثير يفسد الزرع الطعام الكثير والشراب الكثير يفسد القلب وكذلك يفسد المعدة يفسد الجهاز الهضمي من الناحية الطبية أيضاً هناك أضرار كثيرة بسبب كثرة الأكل هذه وصية من النبي (صلى الله عليه وآله).

يحكى أنه جاء طبيب للمدينة ومكث أياماً واشتكى إلى بعض أهل المدينة من عدم وجود المرضى، فقالوا نبينا هكذا وصانا: كُل وأنت تشتهي وأمسك وأنت تشتهي، قال الطبيب إذا كانت هذه الوصية فلا يأتيكم المرض، ثم حزم متاعه وغادر المدينة آيساً من أن يكون له عمل فيها.

ويقول أمير المؤمنين (عليه السلام): “إذا أراد الله صلاحَ عبدٍ ألهمَهُ قلّةَ الكلام وقلة الطعام وقلة المنام” (مستدرك وسائل الشيعة، ج16، ص213)، وقال لقمان لابنه: “يا بني، إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة”،  أي إذا امتلأت المعدة لا يشتغل الفكر والعقل ولا يمكن أن تعبد ربك في مناسكك.

أنا أتذكر عندما كنا ندرس في الثانوية بعض الأيام كان الطعام طعاماً شهياً ولذيذاً والطلاب يكثرون من الطعام وبعد الظهر عندما تبدأ الحصة كان الجميع كأنه فكرتهم وعقولهم لا تشتغل، فكانوا يريدون أن يناموا أو يستريحوا، هذا هو الأثر السلبي لامتلاء المعدة على الفكر والعبادة.

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) “أتى أبو جحيفة النبيَّ (صلى الله عليه وآله) وهو يتجشأ فقال (صلى الله عليه وآله) اكفف جشائك، فإن أكثر الناس في الدنيا شبعاً أكثرهم جوعاً يوم القيامة، فما ملأ أبو جحيفة بطنه من طعام حتى لحق بالله تعالى ” (عيون أخبار الرضا، ج1، ص42)،  يبدو أن هذه الجشأة كانت بسبب الأكل الكثير ولم تكن بسبب أي خلل في الجهاز الهضمي فقد تكون الجشأة بهذا السبب، إذ ربما يكون المرءُ جائعاً وهو يتجشأ لخلل في الجهاز الهضمي، ولكن رأيتُ بعضاً كأنهم عندما يريدون أن يشكروا صاحب المائدة الذي يضيفهم بعد أن يمتلؤوا يتجشؤون، وهذا مرفوض والنبي (صلى الله عليه وآله) ينهى عن هذه العادة.

وهناك وصية من وصايا الأمير (عليه السلام) إلى كميل بن زياد الذي تعرفون مكانته العلمية والمعنوية والروحية وقربه من أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو من خلص أصحابه ومن أصحاب سره يقول (عليه السلام): “يا كميل، لا توقِرَنَّ معدتك طعاماً وَدَعْ فيها للماء موضعاً، وللريح مجالاً [في بعض الروايات: وللنفس مجالاً] ولا ترفعْ يَدَكَ من الطعام إلا وأنت تشتهيه” (بحار الأنوار، ج74، ص267) وهو نفس كلام النبي (صلى الله عليه وآله) عندما قال: “كل وأنت تشتهي وأمسك وأنت تشتهي، فإنْ فعلتَ ذلك فأنت تستمرؤه، فإن صحة الجسم من قلة الطعام وقلة الماء” تستمرؤه أي تستطيبه وتجده وهنيئاً لك.

ونذكر بعض سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) في الأكل، حيث روي عن أبي جعفر الإمام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) قال: “لم يكن رسول الله (صلى الله عليه وآله) يأكل طعاماً ولا يشرب شراباً إلا قال اللهم بارك لنا فيه وأبدلنا به خيراً، إلا اللبن [يقصد به الحليب] فإنه كان يقول اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه ” (الكافي، ج6، ص236)، فلنلتزم بهذا الدعاء عندما نأكل طعاماً ونشرب شراباً، وفيما خص الحليب لم يقل أبدلنا به خيراً، كأن خير الطعام هو الحليب واللبن، لهذا جعل الله تعالى أول طعام للإنسان حليب أمه، وهذا سبب لتكثيف الخلايا العظمية، فيؤثر في سلامته وصحته حسب التقريرات الطبيبة في عصرنا الحالي.

وعن زيد الشحام عن أبي عبد الله (عليه السلام): “ما أكلَ رسولُ الله (صلى الله عليه وآله) متكئاً منذ بعثهُ الله حتى قُبِضَ، كان يأكُلُ أكلَ العبدِ ويجلِسُ جِلسةَ العبدِ، قلت: ولمَ ذلك قال (عليه السلام) تواضعاً لله تعالى” (بحار الأنوار، ج63، ص386)، حتى في أكله كان يراعي أن يكون متواضعاً لربه وأن يعلم الناس رسم العبودية في حياتهم لله تعالى.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إذا أكلَ أحدُكُمْ فليأكلْ بِيَمينِهِ، وإذا شَرِبَ فَلْيَشرَبْ بيمينهِ، فإنّ الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله” (غوالي اللآلي، ج1، ص145)، منذ طفولتنا يعلمنا آباؤنا أن نأكل باليد اليمنى لأن فيه اليمن والبركة، وفي أدب آخر عنه: “وما ذم رسول الله (صلى الله عليه وآله) طعاماً قطُّ، كان إذا أعجبهُ أكلهُ وإذا كرهَهُ تركهُ” (مكارم الأخلاق، ص30)، وكان (صلى الله عليه وآله) لا يأكل الثوم ولا البصل ولا الكراث ولا العسل  الذي فيه المغافير؛ وهو ما يبقى من الشجر في بطون النحل فيلقيه في العسل فيبقى ريح في الفم، والنبي (صلى الله عليه وآله) في بعض كلامه يقول بما معناه لو لم أكنْ نبياً كنت آكل الثوم والبصل، ولكن أنا نبيٌّ أعيش مع الناس ويجب ألا يتأذى أحد من ريحِ فمِ رسولٍ أو عالم دين، أو صديق يريد أن يتحدث مع أخيه. هذا هو السر، وإلا هناك أحاديث في خواص الثوم والبصل وكان بعض أهل البيت (عليهم السلام) يتداوون بهذه الخضر.

أتذكر أنه هناك حديثاً عن أبان بن تغلب أنه كان يريد أن يسأل الإمام محمد الباقر (عليه السلام) عن مسألة فبحث عن الإمام ولم يجده، فقيل له إنّ الإمام الآن مشغول في بستانه، فجاء حتى وصل إلى الإمام (عليه السلام)، فقال له الإمام – وقد تذمر منه – لماذا جئت أنا أكلت من هذا الخضر الخبيث (بهذا المضمون) – يعني خبيث رائحته – وجئت هنا حتى لا يتأذى الناس من ريح فمي وأنت جئت هنا! قال هذه حاجة ملحة كان من المفروض أن آتي وأسأل سؤالي. هكذا كانت سيرة أهل البيت (عليه السلام) فعلينا أن نلتزم بأن لا يتأذى أحد منا، فالمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه على حد قول النبي (صلى الله عليه وآله).

وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يلطع أصابعه (يعني يلحس أصابعه) ولم يتجشأ قط وكان يجيب دعوة الحر والعبد ولو على ذراع (ذراع الغنم) أو كراع (يعني الكرش) ويقبل الهدية ولو أنها جرعة لبن ويأكلها ولا يأكل الصدقة، لا يثبت بصره في وجه أحد.

فإذا قال أهل البيت (عليهم السلام) “كان النبي (صلى الله عليه وآله)” ففي هذه الكلمات دقائق تربوية حتى في أكلهم تعليم للناس وتربية النفوس.

كان النبي (صلى الله عليه وآله) إذا أكل لقم من بين عينيه وإذا شرب سقى من على يمينه، فهذه الآداب تعلمنا أننا عندما نجلس على المائدة يجب أن نتبادل الحب فيما بيننا، فهذه المائدة ذريعة لأن نبذل حبنا بعضنا لبعض.

الخطبة الثانية

أيها الأخوة نحن نعيش الذكرى الثانية والثلاثين لرحيل الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه)، الإمام الذي لم يكن له مثيل في عصرنا من فقهائنا وعلمائنا وقادتنا، هو المؤسس للنهج ومجدد شوكة الإسلام، والله تعالى يصف مثله بأن هؤلاء أولياء الله Pألا إنّ أولياءَ اللهِ لا خَوفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحزَنونO (سورة يونس، 62) إنه لم يخف أحداً إلا الله ولم يحزن لشيء إلا لأجل المؤمنين والمسلمين، وفتح مجالاً للشعب لتعيين مصيره ومستقبله، وهو قد علمنا أننا نقدر أن نشارك في تحديد مصيرنا، وذكر أن النبي (صلى الله عليه وآله) جاء برسالة ليطبق في العالم حكم الله تعالى وكذلك أعطى لشعبه وللناس دوراً لإقامة حكم الله تعالى كما قال الله تعالى : Pلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِO (سورة الحديد، 25)

لقد أرسل الأنبياء قد أرسلهم الله تعالى ليثيروا دفائن عقول الناس ويرفعوا مستوى الناس ويجعلوهم يتدخلون في تنظيم شؤونهم حتى أمر رسوله بأن يشاورهم بالأمور Pفاعْفُ عَنْهم واسْتَغْفِرْ لَهم وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِO (سورة آل عمران، 159).

لقد استلهم الإمام الخميني استلهم من هذه التعليمات النظام الذي سماه الجمهورية الإسلامية، وللجمهور دور في إقامة حكم الإسلام في البلاد، وهكذا فهم الإمام من القرآن وهذا هو الفهم الصحيح من القرآن العظيم لأن الشعب له دور وله تكليف بأن يتدخل في شؤونه، واليوم أشار سماحة الإمام الخامنئي حفظه لله في خطابه وخطبته بهذه المناسبة إلى خطبة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين والتي جاء فيها:

فَهَلُمَّ أَيُّهَا النَّاسُ إِلَى التَّعَاوُنِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْقِيَامِ بِعَدْلِهِ وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ وَ الْإِنْصَافِ لَهُ فِى جَمِيعِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْعِبَادُ إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى التَّنَاصُحِ فِى ذَلِكَ

لا يسمح لأي مسلم أن يجلس في بيته ويترك الأمور إلى الأخرين ليتدخل في أموره من يتدخل، وأنتم أيها الشعب السوري إذ شاركتم في الانتخابات لبيتم هذا النداء للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) حيث أمركم بأن تتدخلوا في شؤونكم، هكذا علمنا الإمام الخميني بأن نكون صناعاً لمصيرنا ولمستقبلنا، وللشعب الإيراني دور هام في الأمور وفي شؤونه.

وأضاف الإمام علي (عليه السلام) في كلامه:  حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ وَ لَيْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ وَ طَالَ فِى الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا أَعْطَى اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ أَهْلَهُ وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ النَّصِيحَةُ لَهُ بِمَبْلَغِ جُهْدِهِمْ وَ التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ فِيهِمْ 

هذا هو الذي يقوله ويأمر به الإمام علي (عليه السلام): على الناس أن يكونوا متعاونين على إقامة الحق وأن يشاركوا في إقامة الحق.

ولقد لبى الشعب المقاوم والصامد في العراق نداء مرجعهم سماحة آية الله العظمى السيد السيستاني عندما وجه هذا النداء بأنه يجب أن تشاركوا لحفظ بلدكم ولتحرير وطنكم من جلاوزة وعملاء الاستكبار الذين يريدون أن يقمعوا ويدمروا بلدكم.

عندما ناداهم لبوا نداء المرجعية وشاركوا في صنع مستقبلهم، وهم الذين حرروا بلدهم من دنس هؤلاء الخوارج، والإمام الخميني بشجاعة دخل في هذه الساحة وعلم شعبه الثقة بالذات وذكّرهم بما لديهم من الطاقات والإمكانيات وجدد قراءة المبادئ الإسلامية المنسية في مجتمعنا الإسلامي.

كان الإمام الخميني يقول أن نظام الهيمنة العالمي يروج – بمنتهى الخديعة – مبدأ فصل الدين عن السياسة، وقال أن هذا يلهم الشعوب أنهم إذا أرادوا الدين فليتركوا الشؤون السياسية والتدخل في شؤون بلدهم.

وقد عرف الإمام الخميني لنا الإسلام الوسطي البعيد عن أي تطرف، والمنزه من الإباحية والتنازل عن المبادئ الإسلامية، هذا هو الإسلام الوسطي لذي يعرفه الإمام الخميني ويسمى بالإسلام المحمدي الأصيل، ولقد عبّر الإمام الخميني عن القراءات الخاطئة للإسلام ب”الإسلام الأمريكي” الذي يجتمع مع الرضوخ للمستعمرين والتخلي عن الأراضي الإسلامية والقضايا الإسلامية ويبرر الظلم والفسق والاستئثار، ويسرق اسم الإسلام لاكتساب المصداقية، هذا هو الإسلام الأمريكي الذي يعتنقه من يخالف حكم الله وفي نفس الوقت يعرف نفسه أنه خادم الإسلام خادم الحرمين الشريفين، ويفتح سبيل الكافرين على المسلمين ويسلم خيرات المسلمين للأعداء، ويطبع القرآن بكميات هائلة مخادعاً الشعوب المسلمة بأنه خادم القرآن مع أنه يخون أحكام القرآن ويدوس أحكام القرآن.

ولقد فضح الإمام الخميني هؤلاء الخونة وأعاد تعريف الإسلام بثوبه الطاهر النقي ووصفه بالإسلام المحمدي الأصيل، وفتح طريقاً أمام جميع الشعوب المسلمة في محور المقاومة، وميراث الإمام الخميني السياسي والديني هو الذي علم هؤلاء الشعوب؛ السوري والعراقي واليمني والفلسطيني واللبناني بأنهم يستطيعون أن يقاوموا الأعداء، والاستكبار الآن يخضع أمام هؤلاء، أمام إرادة الشعوب، من خلال تعليمات الإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.