خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 30 شوال 1442 هـ

الجمعة 30 شوّال 1442ه

الخطبة الأولى:

متابعةً لحديثنا حول أسلوب الحياة في الرؤية الإسلامية نبدأ في مبحث جديد وهو اللباس، وهو أعم من الثياب ومن الخواتم ومن الحلي.

قد يقال أن هذه الشؤون البسيطة لا حاجة لأن نتحدث عنها بل هذا أمر كلٌّ يعرفه، ولكن بما أننا ملتزمون بحياة إسلامية تدعى في القرآن الكريم بالحياة الطيبة وهي لا تتم إلا من خلال تعاليم القرآن وأهل البيت (عليهم السلام)، فعلينا أن نعرف ما هو الأفضل وما هو الصحيح في اللباس من جهة اللون والجنس والكيفية والصفة اللباس، نظراً لكون اللباس منبثقاً من العقيدة التي أنت ملتزم بها، فإذا كنت تعتقد بالله تعالى وتلتزم بأن الحياء من الفضائل الأخلاقية فيجب أن تلبس لباساً يناسب الحياة وينسجم مع الحياء.

قال الله تعالى في محكم كتابه Pيَٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ذَٰلِكَ مِنْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ Q يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا ۗ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ۗ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَO (سورة الأعراف 26-27) وكذلك في الآية الشريفة في سورة النحل Pوَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَO (سورة النحل، 81).

في الآية الأولى يقول سبحانه “قد أنزلنا عليكم” يعني قد وهبناكم لباساً، ونستشف الغرض من اللباس في الآيات المذكورة أنه: أولاً قد صنع اللباس ليواري سوءاتكم، والسوءات جمع سوءة، وسوءة الشيء هي ما يستقبح الناس أن يُرى، وهي كناية عن العورة وعن كل شيء يكون قبيحاً ولا تريد أن يراه أحد، فقد يكون في الجسد شيءٌ لا تريد أن يراه أحد من العيوب كالوشم وما شابه ذلك فتستره باللباس.

وكذلك يقول “وريشاً”، وهذه الكلمة قد أخذت من الريش الذي يغطي جسم الطائر، ففي أكثر الأحيان تكون أرياش الطائر جميلة يمكن أن نتزين بها جاءت هذه الكناية عن الزينة والتزين. إذاً اللباس يواري سوءاتكم وكذلك يزينكم، والله تعالى يؤيد كون اللباس زينةً، فإذاً عليك أن تتزين بلباسك وتتجمل به فهذا لم يحرّمه الله تعالى.

وبعد ذلك يقول “لباس التقوى ذلك خير” أي اللباس المعنوي الذي يستر العيوب المعنوية والرذائل الأخلاقية من الإنسان، والتقوى هي التي تغطي هذه الرذائل والسوءات المعنوية، ويعطي لنا مفهوماً آخر بأن هذا اللباس المادي يجب أن يكون منسجماً مع اللباس المعنوي وهو التقوى، والتقوى تدلنا على الحياء، فيجب أن يكون هذا اللباس منسجماً مع مبدأ الحياء، وهناك فضائل أخرى تكتسب من التقوى فيجب علينا أن نتحلى بحلية مستلهمة من مبدأ التقوى.

ومن تلك الفضائل المعنوية بعد ذلك يقول Pيَا بَنِيْ آَدَمَ لَا يَفتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ…O ماذا فعل بأبينا آدم (عليه السلام) وأمنا حواء؟ نزع عنهما لباس التقوى بمخالفة ما أمر الله تعالى به بأن لا يقتربا من تلك الشجرة، يقول الله تعالى عليكم أن تنتبهوا، فعندما تلبسون البسوا شيئاً يخالف الشيطان ولا تلبسوا ما يأمركم به.

وفي سورة النحل تدل الآية الشريفة على أن اللباس له شأن آخر؛ أنه يقي البدن من الحر، وقد ذكرَ الحرَّ بما أن الجزيرة العربية غالباً ما تكون حارة، فمعلوم أنّ هذه السرابيل تقي الإنسان من الحر والبرد، واللباس في الشتاء تلبسه حتى تقي نفسك البرد وفي الصيف حتى تقيها حرارة الشمس، فإذاً هذا شأن آخر للباس.

والسرابيل جمع سربال، والسربال يعني الثوب وهو ما يستر كل الجسد، وكذلك تقيكم بأسكم؛ يعني أنكم حين الحرب تلبسون الدروع التي تقي البدن من بأس الحرب.

وأما لو بدأنا من أصل النشأة فنحن قد خلقنا عراة، ولكن الله لا يرضى أن نبقى عراة ونتجول هكذا، وتعرفون أن الغربيين قد يتذرعون ويقولون: نحن واقعيون، والإنسان ولد عارياً وجماله في التعري، فلذلك يوصون الناس بالتعري – وهذه وصية الشيطان لهم – عندما يصممون الموضة التي ترونها بين حين وآخر، وتجدون أنهم يريدون أن يخلعوا اللباس عن أجساد الرجال والنساء، ولذا يصممون من الملابس ما يخدم هذا المبدأ الذي يريدون أن يصلوا إليه وإن شاء الله لن يصلوا إلى هذه الخطط الشيطانية.

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “لا يدخل الرجل مع ابنه الحمام فينظر إلى عورته” ، وقال “ليس للوالدين أن ينظرا إلى عورة الولد ولليس للولد أن ينظر إلى عورة الوالد” وقال: “لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الناظر والمنظور إليه في الحمام بلا مئزر” (الكافي، ج6، ص503).

وهناك من وصايا رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام) من ضمنها هذه الوصية: “وَكَرِهَ دخولَ الأنهارِ إلا بمئزر فإن فيها سكان من الملائكة وكره دخول الحمام إلا بمئزر ” (مكارم الأخلاق، ص435)، مع أن النهر لا يوجد فيه عادة من يرى الداخل فيه، وعلى الرغم من عدم وجود من ينظر إليك عليك بأن تأتزر بالمئزر حينها، فهذا مبدأ الحياء.

كما يوجد حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه كان إذا دخل الحمام (المرحاض) لقضاء حاجته كان يغطي رأسه وكان يستحيي من الملائكة بأنهم ينظرونه عارياً كاشفاً لعورته، ومع كونه مضطراً لدخول الحمام ولكنه يستحيي من أن تراه الملائكة هكذا.

عن أبي بصير عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: “إذا تعرى أحدكم نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا” (وسائل الشيعة، ج5، ص23) وفي بعض الروايات يقول “فائتزروا” كما في مكارم الأخلاق للطبرسي.

وقال الصادق (عليه السلام): “بئس البيت الحمّام؛ يهتك الستر ويبدي العورة، ونعم البيت الحمّام؛ يذكر حر النار” (من لا يحضره الفقيه، ج1، ص115)، فله جانبان سلبي وإيجابي، وعلى كل حال فهذا النهي العام عن التعري يلهمنا دائماً أن نحاول جعلَ اللباس ساتراً بعيداً عن العُري.

ماذا نلبس من الثياب؟ أولاً يجب أن يكون الثوب نظيفاً، وهذه كلها سنن كما قلت لكم؛ أي عندما نقول يجب فهذا يعني يلزم ويصلح للمؤمن أن يكون هكذا، فإذا كان لباسه وسخاً لا نقول ارتكب حراماً يعاقب عليه ولكن هذا أمرٌ يكرهُهُ الله تعالى.

قال الصادق (عليه السلام) “لِيَتَزَيَّنْ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يَغْتَسِلُ وَيَتَطَيَّبُ وَيُسَرِّحُ لِحْيَتَهُ وَيَلْبَسُ أَنْظَفَ ثِيَابِهِ” (الكافي، ج3، ص417) وهذه عادة جميلة وسنة حسنة، وأن تتبادلوا قول “جمعة مباركة” لأن هذا يوم مبارك جعله الله عيداً.

هناك حديث عن عبد الله بن جندب عن سفيان ابن السمط قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول “الثوب النقي يكبت العدو” (مكارم الأخلاق، ص103) فالعدو يريد دائماً أن يجد شيئاً فيك حتى يعيرك ويذلك به.

وروى علي بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من اتخذ ثوباً فلينظفه” (وسائل الشيعة، ج24، ص296)، وكذلك رواية عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “النظيف من الثياب يذهب الهمَّ والحزنَ وهو طَهورٌ للصلاة” (عوائد الأيام، ص636).

 هناك نقطة أخرى هي لون اللباس، إذ كثيراً ما الناس عما ينبغي أن يكون عليه لون اللباس؟ وأي الألوان هو المفضل عند الرسول (صلى الله عليه وآله) وعند أهل البيت (عليه السلام)؟

الألوان كلها محللة للجميع، هذا المبدأ الأول، وإذا كانت تحسب زينة فقد قال تعالى Pقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِO (سورة الأعراف، 32) ولكن هناك أحاديث كثيرة عن النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل البيت (عليه السلام) أنهم كانوا يفضلون اللون الأبيض، وربما يكون أحد أسباب هذا التفضيل أن الأبيض يظهر عليه الوسخ فيدفعك أن تزيل هذا الوسخ، بخلاف ما لو كان لوناً آخر غامقاً قد لا ترى فيه الوساخة.

وروى ابن القداح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): البسوا البياض فإنه أطيب وأطهر وكفنوا فيه موتاكم” (الكافي، ج6، ص445).

وقد يلبس الإمام شيئاً لا يمكنك أنت أن تقبله، ولكنْ في بيته وليس أمام الناس، والمؤمن يجب أن يكون وقوراً محترماً ويكرم نفسه بكيفية ملابسه المحترمة في عرف الناس، فليكن المؤمن على حذر، إذ هذا اللباس ربما لا يقبله الناس كاللون الأحمر، فليبلس كما يلبس أهل زمانه فخير اللباس لباس الزمان، ولكنك في بيتك تحب أن تلبس شيئاً أو تشجعك زوجتك على أن تبلسه كما في بعض الروايات “كُلْ بِشهوةِ عِيالِكَ” فهذا عند الله تعالى محبوبٌ والله يجب من يعتني بعياله هكذا.

يقول الحكم ابن عتيبة قال: “دخلت على أبي جعفر الإمام محمد الباقر (عليه السلام) هو في بيت منجد ومزين وعليه قميص رطب وملحفة مصبوغة قد أثر الصبغ على عاتقه فجعلت أنظر إلى البيت وأنظر إلى هيئته (هذا هو الإمام أبو جعفر؟) فقال الإمام: يا حكم ما تقول في هذا؟ فقلت ما عسيتُ أن أقول وأنا أراه عليك؟ (يعني هذا لا يناسبك) وأما عندنا (يعني عند الناس هكذا) فإنما يفعله الشاب المرهّق (الذي قد يرتكب الحرام) فقال الإمام (عليه السلام) مبدئاً: يا حكم من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الزرق؟ فأما هذا البيت فهو بيت المرأة بيت زوجتي وأنا قريب العهد بالعرس وبيتي البيت الذي تعرف ” (الكافي، ج6، ص446)

وهناك حديث أخر يكمل هذا الحديث مالك ابن اعين أخو زرارة يقول “دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) وعليه ملحفة حمراء جديدة شديدة الحمرة فتبسمت حيث دخلت فقال الإمام (عليه السلام) كأني أعلم لما ضحكت ضحكت من هذا الثوب الذي هو عليَّ، إن الثقفية أكرهتني عليه وأنا أحبها أحب تلك المرأة (الكافي، ج6، ص447)، ثم قال الإمام: لا نصلي في هذا، ولا تصلوا في المشبع المضرج” يصرح الإمام بأن مثل هذا اللباس لا يصلح للصلاة لأنه يشغل الإنسان عن التوجه إلى الله تعالى، ثم قال: ثم دخلت عليه مرة أخرى وقد طلقها فقال سمعتها تبرأت من علي (عليه السلام) فلم يسعني أن أمسكها وهي تبرأ منه (عليه السلام).

وعن عيسى عن يونس قال: “رأيت على أبي الحسن (عليه السلام) طيلسان أزرق” (الكافي، ج6، ص448)، فلا بأس أن تلبس الأزرق والنبي كان يحب اللون السماوي على ما يوجد في بعض الروايات النبي (صلى الله عليه وآله) فإذاً ليس فقط اللون الأبيض مرغوباً

وهناك حديثٌ مرفوعٌ إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه كان يكره السواد النبي (صلى الله عليه وآله) وكان ينهى الناس عن لبس السواد إلا في ثلاث الخف والعمامة والكساء، وكان يلبس العمامة السوداء كما أنه في فتح مكة كان لابساً العمامة السوداء، وقد اقتدت ذرية رسول الله (صلى الله عليه وآله) به في العمامة السوداء، مع أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يلبس العمامة البيضاء أيضاً ولم يكن دائماً لابساً هذه العمامة بهذا اللون، إذاً هذا اللون ليس لوناً مفضلاً بل يكره إلا لدليل أو لعلة كأن يكون في أعراف الناس أن المصاب بمصيبة يلبس السواد في العزاء، فهذا قد يخفف من كراهة اللباس الأسود.

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال حدثني أبي عن جدي عن أبيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال فيما علم أصحابه: “لا تلبسوا السواد فإنه لباس فرعون” (علل الشرائع، ج2، ص347)، وقد قلنا أن هناك مستثنيات منها الخف والعمامة والرداء.

الخطبة الثانية:

في الأسبوع المنصرم أُخبِرْنا بوفاة سماحة الحجة السيد علي أكبر محتشمي الذي كان من سفراء الجمهورية الإسلامية في هذا البلد الطيب سورية قبل عقود، وفي أيامه تأسس حزب الله هذه الشجرة الطيبة في لبنان، أتقدم بالتعازي إلى الإمام الخامنئي وإلى أهل الفقيد وأسأل الله له المغفرة والرضوان، وأن يسكنه فسيح جنانه وأن يحشره مع أجداده الطيبين الطاهرين المعصومين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.