خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 7 ذي القعدة 1442 هـ

الجمعة 7 ذي القعدة 1442ه

الخطبة الأولى:

قد بدأنا كلامنا حول ما يصلح أن نلبسه وفقاً للرؤية الإسلامية وعلى أساس تعليمات القرآن العظيم وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام)، وذكرنا شيئاً من مواصفات الثوب الذي يرغب فيه المؤمن، والآن نتناول نوعية اللباس وجنسه.

صحيحٌ أن العالم قد تطور، ولكن ما نقرأ عنه في الآيات والروايات يوجد بعضها في عالمنا الحالي، ولو أنه أصبح نادراً  مثل الكتان والقطن، ولكن قد نجد علماء الطب ينصحوننا على الأقل أن تكون الملابس التي تلتصق بالبدن من قطنية، وهذا لا يضر بالجسد بل يريح الجلد الإنسان، وعن بعض أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال أبو عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام): “الكتان من لباس الأنبياء وهو ينبت اللحم” (وسائل الشيعة، ج5، ص29).

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: “لا تلبس الصوف والشعر إلا من علة” (الكافي، ج6، ص449)، ومن تلك العلل البرد، وقال أبو بصير عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أنه قال: “البسوا الثياب من القطن فإنه لباس رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولباسنا، ولم يكن يلبس الصوف والشعر إلا من علة” (وسائل الشيعة، ج5، ص28)، وكما قلت لكم العلة يمكن أن تكون البرد، كما في حديث عن أبي تمامة قال: “قلت لأبي جعفر الثاني إن بلادنا بلاد باردة فما تقول في لبس هذا الوبر قال (عليه السلام): البس منها ما أكل وضمن” (وسائل الشيعة، ج4، ص346) أي أن يكون من وبر حيوان مأكول اللحم، وكذلك مضموناً أنه قد ذُكّي.

لقد كان أهل البيت (عليهم السلام) في بعض الأحيان يتواضعون لله تعالى ويتعبون أنفسهم برياضة نفسانية حتى تخشع قلوبهم لله تعالى وكانوا يلبسون الصوف مع أن هذا الصوف خشن ويؤذي الجسد، ولكنهم كانوا يلبسون لله تعالى ولم يكونوا ينصحون الناس بأن يلبسوا هذا، وهناك رواية عن كثير الخزاز عن أبيه قال: “رأيت أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) وعليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه وفوقها جبة صوف وفوقها قميص غليظ فمسستها فقلت: جعلت فداك إن الناس يكرهون لباس الصوف، فقال: كلا؛ كان أبي محمد بن علي الباقر (عليه السلام) يلبسها وكان علي بن الحسين (عليه السلام) يلبسها وكانوا (عليهم السلام) يلبسون أغلظ ثيابهم إذا قاموا إلى الصلاة ونحن نفعل ذلك” (الكافي، ج6، ص450)، وهناك رواية أخرى عن استخدام ريش الطائر، فعن أبي جرير القمي قال “سَأَلْتُ الرِّضَا عليه السلام عَنِ الرِّيشِ أَذَكِيٌّ هُوَ؟ فَقَالَ: كَانَ أَبِي عليه السلام يَتَوَسَّدُ الرِّيشَ” (الكافي، ج6، ص450).

وأنت قد تشتري لباساً وترغب في أن تزيد وتشتري لباس آخر، وربما ينصحونك أن هذا إسراف، وقد سئل الإمام الصادق (عليه السلام) ذلك، فعن إسحاق بن عمار من قال: “قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) يكون للمؤمن عشرة أقمصة؟ قال: نعم، قلت: عشرون؟ قال: نعم، قلت: ثلاثون؟ قال نعم، ليس هذا من السرف؛ إنما السرف أن تجعل ثوبَ صونك ثوب بذلتك” (الكافي، ج6، ص441)، وطبعاً إذا كان عندك لباس وأخوك بحاجة إلى أن تكسوه بلباس يجب عليك أن تدفعه إليه إذا كنت موسراً، وهذا أمر واضح، ولكن في الحالة العادية حيث لا يوجد محتاج وكنت تريد أن تشتري بعض القمصان ولا تبذر، بل تلبس هذا اليوم وتلبس الآخر غداً وتلبس الآخر في يوم آخر، هذا ما سأله السائل للإمام (عليه السلام)، فكان الجواب أن الإسراف بأن تلبس اللباس الذي تحفظه لبعض المراسم وتباشر فيه عملاً مصحوباً بالأوساخ، كأن تلبس وتبني بيتاً فيقع عليه الجص والطين وهذا يفسده، فهذا من الإسراف وعليك أن تخصص لباساً للعمل.

وهناك حديث آخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “سألته عن الرجل الموسر يتخذ الثياب الكثيرة الجياد والطيالسة والقمص الكثيرة يصون بعضها بعضاً يتجمل بها أيكون مسرفاً؟ قال: لا لأن الله عز وجل يقول: ” لينفق ذو سعة من سعته” (الكافي/ ج6، ص443) هو يقدر أن يشتري فليشترِ ولكن إذا جاء أخوه إليه وطلب منه أن يكسوه بلباس فيجب عليه أن ينفق من هذا الذي اشتراه لنفسه. هذا هو ديدن أهل البيت (عليهم السلام) والمؤمن هكذا، وأما بالنسبة للتجمل فهل للمؤمن أن يتزين أم يقول عاقبة أمرنا القبر والرفاة فلماذا نلبس ونتزين؟ كلا ليس هكذا؛ قال تعالى Pقُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِO (سورة الأعراف، الآية 32)

إنّ الله لم يحرم علينا أن نتزين بما في هذا العالم، والمؤمن يجب أن يتزين خصوصاً عند الأعداء حتى لا يحتقروه، وعن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) قال: “البس وتزين فإن الله جميل يحب الجمال وليكن من حلال” (وسائل الشيعة، ج5، ص17)، وعنه (عليه السلام) قال: “إن الله عز وجل يحب الجمال والتجمل ويبغض البؤس والتباؤس” (أعيان الشيعة، ج1، ص660)، وخصوصاً عندما تأتي إلى صلاة الجمعة، وتقول: جمعة مباركة، يجب أن تتبرّك بأفضل ما لديك وأن تأتي وتشارك في صلاة الجمعة بما عندك من أجمل ثيابك، لأن الله تعالى يبغض البؤس والتباؤس. وبعض الناس ليسوا أهل بؤس ولكنهم يتظاهرون بالبؤس، وهذا هو التباؤس.

وهناك صفة أخرى للباس، فيجب أن لا يكون لباس المؤمن مذيلاً حتى لا يمسح الأرض، وهذا لباس الجبابرة المتكبرين المستكبرين، يلبسون اللباس الذي يجر ذيله خلفه، هذا لون من الكبر، والنبي (صلى الله عليه وآله) أمر الناس أن لا يلبسوا هذا اللباس لأنه هذا يدل على شيء من الكبر، وكذلك هذا عرضة للاتساخ، لذلك أمرونا بأن نشمر إذا كان اللباس له ذيل ، وقد رأى علي (عليه السلام) من يجر ذيله لطوله فقال له (عليه السلام) : “قصر منه فإنه أتقى وأنقى وأبقى” (فقه القرآن، ج1، ص68)، أي إذا أردتَ أن تكون تقياً لا متكبراً مثل الجبابرة فقصّر، وإذا أردت أن يكون ثوبك نقياً فقصر، وإذا أردت أن يبقى ثوبك أكثر قصر.

وعن محمد بن علي (عليه السلام) أنه سئل عن قول الله عز وجل ((وثيابك فطهر)) فقال (عليه السلام) “يعني فشمر وقال لا يجاوز ثوبك كعبيك فإن الإسبال من عمل بني أمية” (مستدرك وسائل الشيعة، ج3، ص262) وكان علي (عليه السلام) يشمر الإزار والقميص، وهذا يختلف عما يقوم به الوهابيون حين يقصرون، لأن هؤلاء يقصرون حتى يكاد أن يصل إلى الركبة، وليس هذا ما وصى به الإمام (عليه السلام).

وأيضاً نصحونا (عليه السلام) بأن يكون لباسنا لباس أهل زماننا، فقد يكون لباسٌ ما الآن مهجوراً عند الناس فإذا لبستَ فالبس لباس أهل زمانك، وليس معناه أن تكون تابعاً للموضات والتصاميم التي في بعض الصحف والمجلات الخاصة، بل أن لا يكون لباسك بحيث يشير إليك الناس بالبنان، أي لا يكون لباس شهرة.

وعن حماد بن عثمان قال: “كنت حاضراً عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ قال له رجل: أصلحك الله ذكرت أن علي بن أبي طالب كان يلبس الخشن، يلبس القميص بأربعة دراهم وما أشبه ذلك، ونرى عليك اللباس الجيد، قال: فقال له: إن علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) كان يلبس ذلك في زمان لا ينكر، ولو لبس مثل ذلك اليوم لشهر به، فخير لباس كل زمان لباس أهله، غير أن قائمنا إذا قام لبس لباس علي وسار بسيرته” (وسائل الشيعة، ج5، ص17).

وهناك في حديث آخر الإمام (عليه السلام) إضافةٌ؛ أنّ الإمام كشف عن اللباس الذي كان تحت اللباس الفاخر فقال له: انظر هذا صوف خشن لبست هذا لله وهذا اللباس الفاخر للناس، لأنهم إذا لبستُ ذاك إما أن يقولوا إنك مراءٍ، وإما أن يقولوا إنك تخالف وتلبس لباس الشهرة.

هكذا يجب علينا أن نراقب لباس أهل زماننا، ولكن افرضوا أن في هذه الآونة أن الناس في شدة ومشاكل اقتصادية عليك أن تتجنب ارتداء الملابس الغالية الفاخرة، وهذا اللباس الذي يباهي به اللابس يكون يوم القيامة ناراً عليه.

الخطبة الثانية:

في هذا الأسبوع وقعت بعض الأحداث في هذه المنطقة، منها مسيرة الأعلام في الأراضي المحتلة وتوجيه الإهانات لمقام نبينا الأعظم وأمه القديسة (عليهما صلوات الله) من قبل المستوطنين اليهود لعنهم الله وخذلهم وشردهم الله تعالى، وضرب عليهم المسكنة والذلة، وكانت هناك وقفة مناصرة للنبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) من قبل الإخوة المؤمنين في فلسطين المحتلة.

إن هذا الخبيث الذي جاء مكان نتنياهو أراد أن يبطش بقوة في بداية دخوله في هذه الساحة، وأراد أن يجبُرَ ما حدث من الذل والهوان عليهم في عملية سيف القدس التي كانت عملية ناجحة وانتصاراً كبيراً للشعب الفلسطيني وللمقاومة بأجمعهم، فبدأ بهذا العمل حتى يعلن أنه سيكون مثلما كان سلفه الخبيث المجرم نتنياهو، ونحن نعلن له أن الذي فرضه الشعب الفلسطيني على سلفك سيفرضه عليك، وسيملي عليك أن تعرف أن هذه الأرض أرض الأحرار وستحرر، ولا تقدرون أن تفعلوا شيئاً.

وهذا العد التنازلي قد بدأ وستنتصر المقاومة على هؤلاء، فليعلموا أن آخر أيامهم في هذه الأراضي المقدسة يعيشونها الآن، وسنطهر بإذن الله هذه الأراضي المطهرة من دنس هؤلاء اليهود المجرمين الغاشمين إن شاء الله.

وكما تعرفون فإن أبناء الشعب الإيراني اليوم حضروا بكثافة وتدفقوا نحو صناديق الاقتراع، حتى يردّوا على جميع الذين نسمع ضجيج أبواقهم يريدون أن يمعنوا الشعب الإيراني من المشاركة في رسم مصيره ومستقبله.

والآن إن شاء الله ستعرفون نتيجة هذه الانتخابات وهذه المشاركة الضخمة من قبل الشعب الإيراني الذي يعاني من مشاكل اقتصادية، وقد يتذمر البعض من بعض المشاكل ولكن مع ذلك هو في نفس الوقت يأتي ويدلي بصوته حتى يكون هذا الإدلاء صفعة قوية على وجوه المستكبرين وعملائهم وجلاوزتهم من خونة العرب وغير العرب الذين يريدون دائماً أن يثبتوا لقادتهم المستكبرين أنهم عملاء لهم، فلذلك يقولون لا تعطوا أصواتكم ولا تحضروا عند صناديق الانتخابات. بينما انتظر الناس عند صناديق الاقتراع قبل أن تبدأ الانتخابات حتى يدلو بأصواتهم.

وإن شاء الله فإن ثمار هذا الأمر عامة للجميع، وستجدونها أنتم أبناء محور المقاومة، ستجدون قوة إيران قوةً لكل الشعوب في المنطقة، وإن شاء الله تعالى سنقوى أكثر وأكثر ونحن متضامنون بعضنا مع بعض، ونحن ملتزمون بأن نبقى معكم، والحكومة والدولة التي ستأخذ بأزمة الأمور في إيران ستكون ملتزمة أكثر من السابق بمساندة الشعوب المستضعفة من إخوتها في العراق وسورية وفلسطين واليمن والبحرين، وجميع الدول المستضعفة ولا سيما دول محور المقاومة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.