خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 14 ذي القعدة 1442 هـ

الخطبة الأولى:

نحن الآن بصدد التعريف بالملابس الممنوعة في الشريعة الإسلامية على حد الحرمة، وأولها لبس الحرير للرجال كما يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) “لا يلبس الرجل الحرير والديباج إلا في الحرب” (وسائل الشيعة، ج4، ص372) فالمستثنى أن تلبس الحرير في الحرب وعليك أن تنزعه لو أمكن لأجل الصلاة، ولكن في غير الحرب لا يجوز بتاتاً للرجل لبس الحرير، في الصلاة وفي غير الصلاة.

كما نُهيَ عن اللباس الرقيق والشفاف للرجل والمرأة، وهذا ليس على سبيل الحرمة بالنسبة للرجل طبعاً إذا لبس الرجل لحليلته هذا اللباس الرقيق، هذا ليس موضع كلامنا، بل المقصود لبسهُ في المجتمع، فعن علي (عليه السلام) قال: “عليكم بالصفيق من الثياب، فإنّ من رق ثوبه رق دينه، لا يقومَنَّ أحدكم بين يدي الرب وعليه ثوب يشف” (وسائل الشيعة، ج5، ص29)، وبالطبع إذا كانت هذه الشفافية كاشفة للعورة فالصلاة باطلة، وفي غير هذا الموضع يُفهَم من هذا الحديث الكراهة؛ بأنه يكره للرجل أن يلبس اللباس الشفاف في صلاته وفي غير صلاته، ويعبر عنه الإمام (عليه السلام) بأنه من رق ثوبه رق دينه؛ لأن الله تعالى قد جعل الدين عرياناً، ولباس الدين الحياء، واللباس الشفاف يخالف شيئاً مبدأ الحياء.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من لبس ثوباً يباهي به ليراه الناس لم ينظر الله إليه حتى ينزعه” (كنز العمال، 41200) ما هو لباس الفخر والمباهاة؟ هو الذي يكون عادةً غالي الثمن، ويلبسه المرء ليباهي به الناس بأنه ثري، فهذا هو المنهي عنه، وفي عصرنا الحالي قد تلبس اللباس ولا يُعرَف أنه غالٍ، فيعرف أنه غال حين تباهي به بكونه معروفاً من الماركات العالمية.

وقد تحدث هذه الظاهرة في أوساط النساء أكثر من أوساط الرجال، ولكن نرى شيئاً من هذه الخصلة الجاهلية في أوساط الرجال أيضاً، كأن يلبس ويقول هذا اللباس ماركة ديور مثلاً حتى يباهي بسعره الغالي، فعلى هذا الشخص أن ينزع مثل هذا اللباس حتى ينظر الله تعالى إليه، فالله تعالى لا يريد الكبرياء لأحد على الأرض لأن الكبرياء له سبحانه، والفخر هو لون من الكِبر في الإنسان، ومن يتبع سنة رسول الله يعرف أن لباس التفاخر قد نهى عنه النبي وآله عليهم صلوات الله.

في عهد النبي (صلى الله عليه وآله) كان لباس الجبابرة له أذيال تدل على كبر لابسه إذ يجرّهُ على الأرض حتى يباهي بأن له ثقلاً، ويمسح بلباسه كل شيء كأنه يرى العالم تحت قدميه.

ولا يقتصر لباس الفخر على ذلك، بل كما قلتُ إنّ المتابع للمتاجر التي تبيع هذا القميص غالي السعر ويشتري ويباهي بالماركة العالمية فلباسهُ لباس فخر، فعلينا أن ننتهي عن مثل هذه الخصائل وهذه التصرفات السيئة.

وكذلك نُهيَ عن تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في ارتداء الملابس، فعن أبي عبد الله (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: ” كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يزجر الرجل يتشبه النساء وينهى المرأة أن تتشبه بالرجال في لباسها (مكارم الأخلاق، ص256)، وكذلك روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن طريق أهل السنة: “ليس منا من تشبَّهَ بالرجال من النساء ولا من تَشبَّهَ بالنساء من الرجال” (كنز العمال، ٤١٢٣٧)، فممنوع أن يلبس الرجل لباس المرأة والمرأة تلبس لباس الرجل.

 وهناك نهي آخر هو النهي عن لبس لباس الأعداء – أي الكفار – وهناك خلاف بين الفقهاء في بعض الفتاوى بالنسبة لهذا ومن أمثلته – وأذكر هنا المبدأ الفقهي لهؤلاء – القول بأن ارتداء ربطة العنق حرام، لماذا يحرمون هذا مع كونه مجرد قطعة من القماش تربط على عنقك؟ يقولون لأن ذلك تشبه بالأعداء أي أنك اقتديت بهم وتريد أن تتبعهم، وهذه الحساسية قد تكون في بعض الموارد أكثر أو أقل، والغرض هذا النهي يتضح مما قاله أمير المؤمنين علي (عليه السلام): “فإنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ إِلَّا أَوْشَكَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ” (نهج البلاغة، الحكمة 207).

 عندما تتشبه بأحدٍ تحدث فيك نزعات تجعلك تميل إليه عاطفياً نفسياً وشيئاً فشيئاً تتبعه، وقد نهى الله تعالى أن تتزوج المرأة المؤمنة من الرجل المسيحي لأن هذه العلاقة الودية بين الزوجين تؤثر على عقيدة المرأة، فلذلك يفتي فقهاؤنا بحرمة زواج المرأة المسلمة من الرجل الكتابي.

وبالنسبة للتشبه للأعداء فإنك عندما تلبس مثلهم وتنطق مثلهم وتأكل مثلهم ستميل إليهم، وهذا هو الغزو الثقافي الذي يحذرنا منه الإمام القائد (حفظه الله) دائماً؛ بأن هؤلاء يغزوننا ليس بالسلاح فقط بل بالثقافة يدخلون في قلوبنا وبيوتنا، ومن خلال هذه الفضائيات ينشرون ويروجون تحت عنوان الموضة العالمية والموديلات الجديدة، والإنسان بطبعه يرغب في أن يرى في حياته تنوعاً، فهذا ليس مرفوضاً من الناحية الدينية والشرعية، ولكن الموديلات التي تملى من قبل الأعداء توجِدُ ثقافة كافرة مادية لا إلهية، يروج لها الأعداء من خلال هذه الأشياء البسيطة، فلذلك نقول لبس لباس الأعداء والتشبه بالكفار أمرٌ مرفوض وممنوع.

عن إسماعيل بن مسلم عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: “أوحى الله عز وجل إلى نبي من أنبيائه: قل للمؤمنين لا يلبسوا لباس أعدائي ولا يطعموا مطاعم أعدائي ولا يسلكوا مسالك أعدائي فيكونوا أعدائي كما هم أعدائي” (من لا يحضره الفقيه، ج1، ص252)، أي أن هذا يؤثر في قلوبهم ويصبحون أعداء الله تعالى بسبب هذه المعاملة القريبة من أعدائه.

وكذلك نُهيَ عن لباس الشهرة، فما هو لباس الشهرة؟ هو لباس تشتهر به سلبياً، على سبيل المثال شابٌ يلبس لباس شيخ عجوز، أو يسرح شعره حيث لا يناسب مع عمره، أو يلبس لباساً بلون غير مناسب في أعراف الناس ولا يرغب فيه أي أحد، وقد يكون لوناً مرغوباً فيه في هذا المجتمع دون الآخر، إذ توجد مثلاً ألوان مرغوب فيها بالنسبة للرجال في البلاد الإفريقية ولكن عند العرب ليس هذا اللون مرغوباً فيه، والناس يشيرون إليه بالبنان. فينبغي على لابس هذا اللباس أن ينزعه، إذ يرى فيه الناس شيئاً من الخفة، يخفف من شأن المؤمن.

وأتذكر – في هذه البلدة – أننا لم نكن نرى هذه الظاهرة حيث يلبس الرجل السروال القصير ويمشي في الأسواق، في المجتمع الذي تخرج فيه النساء، والمؤمن عادة يستحيي من أن يلبس مثل هذه الملابس ويخرج في السوق وسط الناس، فهذا مستورد من نفس تلك الثقافة التي ذكرتُ لكم، وأنتم تعرفون أن هذا اللباس ينتَجُ ويستورد وبعد ذلك يستنسخونه ويلبسون ولا يستحيون، وشيئاً فشيئاً ترى أنه يصبح لباساً عادياً، ولو أنه من الناحية الشرعية قد يقال أن ستر الرجل ما بين السرة والركبة، ولكن ليس معناه أن يظهر في المجتمع هكذا، فهناك أعراف عند الناس ويجب أن يقارن المستورد والمنتج لهذه الموضة مع مبادئنا الشرعية وعرف المجتمع، هل هذا يلائم أم لا؟ ويجب أن نرفض ولا نقبل مثل هذا لأن وراءه ثقافة الإباحية التي إذا انتشرت لن تتوقف على الملابس بل سيتجاوزه إلى جميع مجالات حياتنا.

ومن مصاديق لباس الشهرة هذه الملابس الغربية التي يمكن أن نسميها فاضحة، وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: إن الله تبارك وتعالى يبغض شهرة اللباس (الكافي، ج6، ص445)، وعنه (عليه السلام) قال: “كفى بالمرء خزياً أن يلبس ثوباً يشهره أو يركب دابة تشهره” (الكافي، ج6، ص445)، بل حتى السيارة التي تركبها يجب أن تكون مناسبة لشأنك، وكذلك إذا صبغتها أن يكون صباغها مناسباً لأعراف المجتمع، وإذا وضعت عليها بعض الصور فلتكن صوراً غير مخالفة لأعراف المجتمع وللمبادئ الدينية.

“قيل: دخل عباد بن كثير البصري على أبي عبد الله (عليه السلام) بثياب الشهرة، فقال (عليه السلام): يا عباد ما هذه الثياب؟ قال: يا أبا عبد الله تعيب عليَّ هذا؟ قال: نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من لبس ثياب شهرة في الدنيا ألبسه الله لباس الذل يوم القيامة، قال عباد: من حدثك بهذا؟ قال (عليه السلام): يا عباد تتهمني؟ حدثني والله أبي عن آبائي عن رسول الله ” (مكارم الأخلاق، ص116).

الخطبة الثانية:

في الأسبوع الفائت مرت علينا ذكرى مولد الإمام علي بن موسى الرضا المرتضى (عليه السلام)، فالسلام عليك يا علي بن موسى الرضا المرتجى، سلامٌ منا ومن عمتك زينب (عليه السلام).

وكذلك في الأسبوع الماضي حصلت الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الإسلامية، وكانت هناك بعض التعليقات على هذه الانتخابات، ومما يُضحك الثكلى بعض تعليقاتٍ من دولة رجعية أحدثت مهزلة بأنها تطالب بحقوق الإنسان وتطالب بالديمقراطية والحرية، وهم على حد تعبير الإمام القائد “لا يفرقون بين صناديق الفواكه وصناديق الاقتراع” ويريدون أن يتحدثوا عن الانتخابات ويقولون أن إيران ليست فيها ديمقراطية.

هذا البلد الرجعي منذ عقود ليس له اسم إلا اسم عائلة، وهو البلد الوحيد الذي قد سمّي باسم عائلة، فكيف لهؤلاء أن يدعوا الديمقراطية، وأية انتخابات قد أجريت في “المملكة العربية السعودية” كما يسمونها؟  
هؤلاء يدعون المطالبة بحقوق الإنسان وهم جزارو أطفال اليمن وقاتِلو الأبرياء في زنازينهم بتهمة مخالفة ونقد الملك فقط، فأُعدِمَ الشهيد الشيخ النمر لأنه انتقد الملك.

كيف يتجرأ هؤلاء على التفوه بذلك وقد قتلوا صديقهم السابق – الخاشقجي – الذي كان حليفاً لهم وكان يمدحهم في بلاطهم، كيف قتلوه؟ قتلوه وقطعوه بالمنشار، أهؤلاء يطالبون بحقوق الإنسان؟ والحمد لله فقد فضحتهم الأحداث في سورية وفي العراق وفي اليمن حالياً، وإلى الآن في كل يوم تقع فضيحة لهم.

فمطالبة هؤلاء بالديمقراطية مهزلة ولكن مهزلة مُرّة مبكية، والعالم يسكت أمامهم وينحاز لصالحهم، والمقصود من العالم هم الجبارون المهيمنون على العالم، ولكن الشعوب تعرف هؤلاء وتميزهم عن شعبهم المظلوم.

وعلى كل حال الحمد الله قد انتهت هذه الانتخابات ولم يستطيعوا أن يملوا على الشعب الإيراني ما كانوا يريدونه، وإذا كان الشعب الإيراني لم تشارك شريحة منه فذلك كان بسبب جائحة كورونا وبسبب أشياء مثل هذا، والإيرانيون قد خالفوا توجهات الإعلام المعادي المكثفة، واستطاعوا أن يختاروا من كانوا يريدونه، وبإذن الله سنرى من خلال هذه الانتخابات ازدهاراً وتقدماً.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.