خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 21 ذي القعدة 1442 هـ

الخطبة الأولى:

كان كلامنا عن أسلوب الحياة وفقاً للرؤية الإسلامية، إذ يرشدنا الله لنحيا حياة طيبة، وهي لا تحصل إلا بتعليمات القرآن والمفاهيم الواصلة إلينا من أهل البيت (عليهم السلام)، وقد تعرضنا لمباحث اللباس والمواصفات التي وضعها رسول الله وأهل البيت (عليهم السلام) لنا في هذا الخصوص؛ ما يجب أن نلبسه وما يجب أن نتركه، وقد ذكرنا بعض الملابس المنهي عنها، كالتشبه بالجبابرة والكفار في اللباس، وتشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في ملابسهم، وكذلك لباس الشهرة الذي هو خلاف عادة المجتمع من حيث اللون والتصميم، والذي يشار إليه بالبنان سلبياً، وكذلك لباس الفخر الذي يباهي به الإنسان الفقراء وغير الفقراء.

وهناك حديث طويل جاء فيه أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: “وأما التي من أخلاق قوم لوط: إرخاء الإزار خيلاء، وحل الأزرار من القباء والقميص” (الخصال، ص331)، لقد كان قوم لوط يمارسون بعض العادات السيئة فيجب على المؤمن أن يجتنب اتباع هؤلاء، ولو أنه بمر الأيام والأزمنة ربما تخِفُّ بعض هذه المنكرات وبعضها يلغى في عصر دون عصر آخر، ولكن بعضها من الناحية الأخلاقية من الثوابت.

كما قلنا أن الإنسان لا يحب التعري، ويوصي أهل البيت (عليهم السلام) بتجنب أن نكون عراة، أو نختار ملابس فيها شيء من هذه الثقافة السيئة، وكما تعرفون فالثقافة الغربية ترتكز على أسس مادية ولا ترى قيمة للإنسان إلا هذا الجمال المادي، وترى من الإنسان مادته وجسده فقط، لذلك يحاولون من خلال هذه الثقافة حثَّ الناس على أن يكونوا عراة، ولو بأنْ يوصوا بارتداء اللباس القصير أو اللباس الشفاف للنساء، ومن خلال الصحف المخصصة لتصاميم الأزياء التي تروج لنزع الحياء من أوساط الناس – خصوصاً في أوساط النساء-  وكما تعرفون أن الحياء جلبابُ ولباسُ الإسلام على حد قول أهل البيت (عليهم السلام) حيث قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “الإسلام عريان فلباسه الحياء…” (الكافي، ج2، ص46).

والحياء أكثر تفضيلاً للمرأة، مع أن الرجل أيضاً يجب أن يكون حيياً، ولكن تتضاعف مطلوبية ذلك للمرأة، كما يصف القرآن ابنة شعيب بأنها كانت “تمشي على استحياء” حتى يرينا بأن هذه الصفة النبيلة للمرأة صفة محبذة ومفضلة يجب أن تكون المرأة متزينة بها.

نعم إنّ حل الأزرار قد يكون للحظة أو لدقائق حتى ترتاح، خصوصاً في هذا الفصل الحارّ، ولكن بعضهم يحل أزرار قميصه بحيث يُرى جسدُهُ، وهذا هو المقصود من وصف قوم لوط في الحديث المتقدم، وليس المقصود بأن فتحَ أي لباس وَحَلَّ أي زر فيه شيء من المذمة، والمهم أن نفهم هذا الحديث بشكل صحيح.

وفيما يتعلق بآداب اللباس على المؤمن أن يكون في جميع مجالات حياته مقتدياً بما يوصي به القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) ولو كان في المباحات التي لا عقاب على تركها أو ارتكابها، ولكن الأفضل والأجمل الذي تصل بفعله إلى الحياة الطيبة لا يمكن إلا بتعليمات أهل البيت (عليهم السلام) ولو كان على نحو الاستحباب، أي أن الله تعالى يحب أن يكون عبده ملتزماً بهذه الأمور، ولو أنه لو لم يلتزم لا يُعاقَب، ولكنه يخسر كثيراً من الخصائل الحميدة.

وفي حديث عن أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول” … فإذا خَرجتَ من الحمّامِ ولبستَ ثيابك فقل: اللهمَّ ألبِسني التقوى وجنّبني الرّدى، فإذا فعلتَ ذلكَ أَمِنتَ من كلِّ داء” (بحار الأنوار، ج73، ص77)، ولا أدري ما العلاقة بين هذا الدعاء وبين الأمان من كل داء، ولكن نحن – كما قلت أكثر من مرة – نثق بما يقول نبينا (صلى الله عليه وآله) وقد تلقى هذه التعليمات من الوحي، وعندما يوصينا بهذا ويصف لهذا العمل نتيجةً ما فنحن نتعبد بمثل هذه الأمور، فلنتعود أن نقرأ هذا الدعاء عندما نلبس ثيابنا، لأنني مع ارتداء لباس الجسد يجب أن أكون منتبهاً للباس الروح، ولباس الروح هو التقوى، وهو يؤثر على تصرفاتك في حياتك كما هو مؤثر في حياتك المعنوية.

وهناك حديث آخر عن أبي الحسن العسكري (عليه السلام) عن أبيه عن جده علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) أنه “كان يلبس ثيابه مما يلي يمينه” (مكارم الأخلاق، ص102)

وهناك أدب آخر يتعلق بلباس المصاب بمصيبة، وهو صاحب العزاء، الذي ينبغي يجب أن يكون بائناً في ظاهره أنه هو المصاب، وقد روى أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: “ينبغي لصاحب الجنازة ألا يلبس رداء وأن يكون في قميص حتى يعرف وينبغي لجيرانه أن يطعموا عنه ثلاثة أيام” (وسائل الشيعة، ج2، ص442)، لأنه مصاب فليواسوه خلال ثلاثة أيام ويأتوا بالطعام إليه، فعلينا ألا نحمل عليه مصيبة أخرى وهي تحمُّلُ الضيافة لمن يأتيه للعزاء، وقد أمرنا النبي وأهل البيت (عليهم السلام) بهذا، وقد وضع رسول الله (صلى الله عليه وآله) رداءه في جنازة سعد بن معاذ رحمه الله فسئل عن ذلك فقال: “إني رأيت الملائكة قد وضعت أرديتها فوضعت ردائي” (من لا يحضره الفقيه، ج1، ص175) وأنتم تعرفون أن الملائكة قد يتمثلون بصورة إنسان كما تمثل المـَلَكُ لمريم رجلاً سوياً.

وأما بالنسبة لأدب نزع اللباس فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) “وإذا خلع أحدكم ثيابه فليسمِّ” (بحار الأنوار، ج73، ص357) وإذا اشتريت لباساً جديداً أو أُهدي إليك فهذا أيضاً له أدب، حيث روى محمد بن مسلم فقال “سألت أبا جعفر ( عليه السلام ) عن الرجل يلبس الثوب الجديد؟ قال: يقول: اللهم اجعله ثوب يمن وتقى وبركة، اللهم ارزقني فيه حسن عبادتك، وعملاً بطاعتك، وأداء شكر نعمتك، الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في الناس” (وسائل الشيعة، ج5، ص49).

مع أنّ هذا الثوب قماش، ولكن الإمام يريد من هذا الأمر المادي أن ينقلك إلى عالم المعنى، إلى التقوى إلى التيمن والتبرك. فما الذي يطلبه اللابس من الله تعالى؟ يسأل الله تعالى أن يرزقه العبادة في هذا اللباس، والعبادة ليست فقط الصلاة والصيام، بل تشمل أن يلبس هذا اللباس ويخدم فيه الفقراء والمحرومين ويقوم بسائر الشؤون الاجتماعية، فهذا كله عبادة.

وهناك حديث أخر قال فيه أمير المؤمنين(عليه السلام): “علمني رسول الله (صلة الله عليه وآله) إذا لبست ثوباً جديداً أن أقول: الحمد لله الذي كساني من اللباس ما أتجمل به في الناس، اللهم اجعلها ثياب بركة أسعى فيها لمرضاتك، وأعمر فيها مساجدك” (وسائل الشيعة، ج3، ص373)، كيف تعمر فيها مساجد الله بلباسك هذا؟ هذا لباس نقي جميل تلبسه وتأتي إلى المسجد بأفخر ثيابك حيث تكون ضيفاً لله تعالى، فيجب أن تلبس أجمل ثيابك وأنقاها وأطهرها.

وينقل أن الإمام الرضا (عليه السلام) “كان يلبس ثيابه مما يلي يمينه، فإذا لبس ثوباً جديداً، دعا بقدح من ماء وقرأ عليه: إنا أنزلناه عشراً، وقل هو الله أحد عشراً، وقل يا أيها الكافرون عشراً، ثم رش ذلك الماء على ذلك الثوب، ثم قال: فمن فعل ذلك لم يزل كان في عيشة رغد ما بقي من ذلك الثوب سلك” (مكارم الأخلاق، ص116 ) وقد رأيت بعض الناس الملتزمين يعملون بهذه النصيحة للإمام (عليه السلام)، رزقنا الله وإياكم أن نلتزم بمثل هذه السنن.

الخطبة الثانية

إيها الأخوة في مثل هذه الأيام قبل أربعين سنة استشهد أكثر من اثنين وسبعين رجلاً من نخب الأمة في إيران الإسلامية بيد المجرمين في منظمة “مجاهدي خلق” الإرهابية، الذين اختلقتهم أمريكا والاستكبار العالمي بصفة عامة، وبعدما فرغوا من هذه الجريمة والجرائم الأخرى التي ارتكبوها بحق الشعب الإيراني المسلم في إيران انتقلوا إلى العراق حيث كانوا في خدمة مجرم طاغية هو صدام، وارتكبوا المجازر نفسها بحق الشعب العراقي في انتفاضة شعبان، وبحق الشعب الكردي في العراق أيضاً، وحين أراد الشعب العراقي أن يطردهم من أرضه احتضنتهم أمهم الحنونة أمريكا المجرمة ونقلتهم إلى بلاد أخرى حتى يواصلوا جرائمهم، وهم أمثال الذين ظهروا في الأحداث التي جرت في هذه المنطقة في سورية وفي العراق تحت اسم تنظيم “داعش” الإرهابي، قد اختلقتهم أمريكا في خدمتها وفي خدمة الاستكبار العالمي، وبعد فترة ادّعوا أنّ الأمريكان جاؤوا يريدون أن يضربوا داعش، وأنتم تعرفون أنهم كانوا يريدون أن يحافظوا عليهم ليوم آخر يستخدمونهم فيه لأجل مصالحهم، في قسم من سورية أو في قسم من العراق، حتى إذا حدثت فتنة استخدموهم في هذه المجالات.

فمن المضحك أن يتشدق هؤلاء بحقوق الإنسان وهم الذين قتلوا الأبرياء، وهؤلاء الذين نسميهم بصفة عامة “الاستكبار العالمي” عندما يتحدثون عن حقوق الإنسان عليكم أن تعرفوا أن هذا مفهوم مقلوب ولهؤلاء بصمات في الجرائم ضد الإنسانية.

في هذه الأيام المؤلمة وددت أن أذكر الشهيد المظلوم آية الله السيد محمد حسيني البهشتي الذي كان رئيساً للسلطة القضائية آنذاك وقد اغتيل بيد هؤلاء المجرمين، كما حاولوا اغتيال سيدنا الإمام الخامنئي بيوم قبل هذه الجريمة، ولكن الله تعالى قدّرَ أن يحفظ هذا الرجل لمستقبل الأمة الإسلامية، ولم يستطيعوا أن يقضوا على هذه الذخيرة الإلهية في عصرنا الحالي، والحمد لله رب العالمين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.