خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 28 ذي القعدة 1442 هـ

الجمعة 28 ذي القعدة 1442

الخطبة الأولى:

ما زلنا نتحدث عن أسلوب الحياة وفق الرؤية الإسلامية من القرآن والسنة النبوية التي في ضمنها سيرة أهل البيت (عليهم السلام) أوصياءِ النبي (صلى الله عليه وآله).

وقد يسأل مؤمنٌ: هل يوجد فضل للتجمل والتزين في الرؤية الإسلامية؟ وهل يحب الله سبحانه أن يرى عبده في النعمة التي أنعمها عليه؟ أيحب الله أن يرانا في بؤس أو تباؤس أم يحب أن يرانا في جمال وتزين، خصوصاً حين دخولنا المسجد؟

كما تعرفون فإن الإجابة هي نعم؛ فالله تعالى أعطانا النعم ويحب أن يرانا فيها، وقد يقول بعضٌ: ونحن نعيش في فقر ومشاكل مادية كيف تتحدث عن الزي الجميل واللباس الأنيق؟ فأقول إن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يعيش في عهدٍ معظم الناس فيه فقراء؛ بحيث أن أحدهم في بعض الغزوات كان يمتصُّ التمرة ويعطيها لصديقه بسبب ندرة هذه الأشياء حينها.

فإذاً إنّ النبي الذي يوصينا بالتزين والتجمل هو نفسه كان يعيش في مثل هذه الأجواء، أجواء الفقر، ولكن هذا لا يمكن أن يكون سبباً لأن نعيش شُعثاً أو نظهر بؤسنا للآخرين؛ لأن هذا من الناحية النفسية يؤثر على الآخرين، فيجب أن نهيئ بيئة جميلة رغم كوننا نعيش في ضيق، فإذاً إن التزين لا ينافي ظروف الفقر بل يمكن أن تتزين ولكن بحسب تلك الأجواء، لا بأن تلبس كل يوم قميصاً جديداً فهذا لا يمكن.

لقد كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يلبس اللباس الرطب الذي غسله قبل أن يحضُرَ بين الناس، ولم تسنح له الفرصة حتى يجففه، هكذا كان اهتمام الإمام (عليه السلام) بالنظافة والجمال، وبأن لا يحضر عند إخوانه بثوب وسخ، وهذا من الأمور المهمة التي أردت بيانها بعد احتمال عُروض هذا السؤال في الأذهان: أنك تتحدث عن هذه الأمور ونحن نعيش في أجواء ضيقة من ناحية المعاش فكيف تتحدث عن الجمال والتجمل؟

لقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) يحب الدّهن ويكره الشعث، أي يكره تلبد الشعر من الوساخة أو العرق، ويوصي الناس بأن يدَّهنوا، وكان هو يدّهن ويقول: إنّ الدهن يذهب بالبؤس.

والدهن متوفر في عصرنا الحالي – ولو أن بعضاً لا يلتزم به – وفي أوساط العرب وخصوصاً لدى الشباب أرى الدهن رائجاً أكثر من عندنا في إيران.

 وقد قال الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) لأحد أصحابه: “الْبَسْ وَتَجَمَّلْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ الْجَمَالَ مَا كَانَ مِنْ حَلَالٍ” (دعائم الإسلام، ج2، ص163) وفي حديث عن بريد بن معاوية قال: قال أبو عبد الله لعبيد ابن زياد (أحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام): “إظهارُ النعمة أحبُّ إلى الله من صِيانَتِها، فإياكَ أنْ تُرَيَنَّ إلا في أحسَنِ زِيِّ قَومِكَ. قال: فما رؤي عبيدٌ إلا في أحسنِ زيِّ قومهِ حتى ماتَ” (وسائل الشيعة، ج5، ص8).

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): “إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدِهِ بِنِعْمَةٍ فَظَهَرَتْ عَلَيْهِ سُمِّيَ حَبِيبَ اللَّهِ مُحَدِّثاً بِنِعْمَةِ اللَّهِ وَ إِذَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ فَلَمْ تَظْهَرْ عَلَيْهِ سُمِّيَ بَغِيضَ اللَّهِ مُكَذِّباً بِنِعْمَةِ اللَّهِ ” (الكافي، ج6، ص438)، أي إذا أنعم الله على عبد فادخر هذا المال ولم يشترِ به لباساً يلبسه عندما يأتي إلى الجمعة أو يذهبُ في زيارة لأهله وأصدقائه سمي بغيض الله مكذباً بنعمة الله، هكذا بهذا اللحن القاسي تعبِّرُ الرواية، فالتجمل إذاً ليس مسموحاً به فحسب بل هو محبذٌ، وربما تشتري قميصاً بسعر رخيص جداً ولكن تتجمل به فتنظفه وتلبسه ولا حاجة أن يكون هذا اللباس غالي الثمن – كما ذكرتُ في الأسبوع الماضي – أي لباسَ فخرٍ تتفاخر به على الآخرين، بل يمكن أن يكون لباساً زهيداً من ناحية سعره ولكنْ جميلاً تتزين به.

وكما تعرفون يجب على الرجل أن يتجمل لزوجته، وقد يُظَّنُ أن هذا الواجب موجَّهٌ إلى المرأة فقط، فيخاطبون الزوجة دائماً: يجب أن تتجملي لزوجك، ولكن هذا ينبغي أن يكون متبادلاً؛ فقد لبس الإمام الصادق (عليه السلام) لباساً جميلاً فقيل له ما هذا اللباس؟ قال لبستُ لأهلي (لزوجتي)، فعلى المؤمن أن يتجمل لأهله وكذلك لإخوانه وأصدقائه فإذا رآه أخوه نظيفاً وجميلاً يرى اهتمامه به ويعرف قيمته عنده ومكانه في قلبه، فلذلك نجد هذا في بعض الأحاديث التي ينقلها الطبرسي في مكارم الأخلاق عن النبي (صلى الله عليه وآله) “أنه كان ينظر في المرآة ويرجِّلُ جمتّهُ  ويمتشط، وربما نظر في الماء وسوى جمّتهُ فيه. ولقد كان يتجمل لأصحابه، فضلاً على تجمله لأهله. وقال: إن الله يحب من عبده إذا خرج إلى إخوانه أن يتهيأ لهم ويتجمل” (مكارم الأخلاق، ص34).

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “ليتزينْ أحدُكُم لأخيه المسلم كما يتزيّنُ للغريبِ الذي يحب أن يراه في أحسن الهيئة” (الكافي، ج6، ص 439)، فنحن عادة إذا أردنا أن نخرج إلى شخص غريب نجد من المعيب أن نلبس لباساً عادياً ونرى من الواجب أن نتجمل، فيقول الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) إنك إذا خرجت إلى أخيك المؤمن أو صديقك فتزيّنْ كما تتزين للغريب الذي تريد أن يراك في أحسن الهيئة، فليَرَكَ أخوك في أحسن هيئة كذلك.

وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال واصفاً المؤمن: “له قوةُ في دِين، وحزمٌ في لينٍ، وإيمانٌ في يقين، وحرصٌ في فقه، ونشاط في هدى، وبِرٌّ في استقامة، وعِلمٌ في حلم، وكيسٌ في رِفق، وسخاءٌ في حق، وقِسطٌ في غنى، وتجمُّلٌ في فاقة” (الكافي، ج2، ص231). بهذا نفهم أن الشريعة النبوية الإسلامية لا ترى تنافياً بين ظروف الفقر والتجمل، كلٌ بحسبه؛ فإذا كانت الظروفُ ظروفَ يسر وغنى فالتجمل يختلف عما إذا كانت ظروف فاقة وضيق، وعلى هذا فلا يترك المؤمن العناية بجمال الشعر على سبيل المثال، كما يصف أهل البيت (عليهم السلام) أن من نعمة الله الشعر الحسن، ولكنهم وصّونا بأن نسرح شعرنا ونعتتني به، كما ينقل أبو بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام) فيقول: “سألته Pخُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍO قال: هو المشط عند كل صلاة فريضة ونافلة” (البرهان، ج2، ص10)، يعني تسريح الشعر بالمشط عند كل صلاة فريضة ونافلة، هذا من مصاديق خذوا زينتكم عند كل مسجد، كما أن النبي (ص) كان يحتفظ في مكان عبادته بمشطٍ ويمتشط به.

وعن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): “إِنَّ مِنْ أَجْمَلِ الْجَمَالِ الشَّعْرَ الْحَسَنَ وَنَغْمَةَ الصَّوْتِ الْحَسَنِ” (الكافي، ج2، ص615) فكيف نحتفظ بهذا الجمال؟ بأن نحافظ على هذا الشعر، وهناك حديثٌ عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من اتخذَ شَعراً فليُحسِنْ ولايته أو لِيجُّزَّهُ” (الكافي، ج6، ص485)، فإن كنتَ لا تحسن العناية بشعرك عليك أن تقصه.

 وذكرَ الطبرسي في مكارم الأخلاق صفة تسريح النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: “كان يتمشط ويرجّلُ رأسهُ بالمدرى (مشط من الحديد أو الخشب)” (مكارم الأخلاق، ص33)، وأما بالنسبة لقص الشعر فيوصي الشرع وأهل البيت (عليهم السلام) بحلق الرأس أو قص الشعر بمناسبات، وليس المفضل أن يكون شعرك مقصوصاً وقصيراً ولكن المهم الاهتمام بالشعر، نعم إنّ تسريح الشعر بشكل مفرط ليس من سيرة الأنبياء وخصوصاً النبي (صلى الله عليه وآله) فكان شعرُهُ لا يتجاوز شحمة أذنه، وربما كان قبل نبوته يسرح شعره، ولكنه كان إذا كثُر وطال يفرقهُ ليكون مرتباً ومسرحاً.

لا أريد أن أدخل في هذه التفاصيل ولكن أرى أن الشباب يتساءلون عن نظرة الدين لأمر الشعر، فالموقف واضح بأن الشعر جمالٌ ولكنك إذا أعفيت من شعرك يجب أن تحافظ على نظافة هذا الشعر وأن يكون مرتباً لا شعثاً، وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أمر في مورد خاص فقال لرجلٍ: “احلق فإنه يزيد في جمالك” (مكارم الأخلاق، ص58) فربما لم يكن جميلاً فأوصاه بأن يحلق شعره حتى يكون أجمل مما هو عليه. وفي بعض الأحيان يكون الحلق واجباً كما في مناسك الحج، وهذا شيء آخر.

ويقول علي بن يقطين عن الإمام أبي الحسن الأول – الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) – سمعته يقول: “إنّ شعر الرأس إذا طال ضَعُفَ البصر وذهب بضوء نوره، وطمُّ الشّعر يُجلي البَصَرَ ويزيد في ضوء نوره ” (وسائل الشيعة، ج2، ص107)، ويبدو أنه كلامٌ تعليميٌّ صحيّ.

الخطبة الثانية

ارتحل في هذه الأيام قائدٌ من قادة المقاومة المخلصين في سبيل تحرير الأراضي المقدسة فلسطين، هو الأخ المجاهد أحمد جبريل، ونحن نعزي بوفاته أهله وعموم الشعب الفلسطيني، ونسأل الله تعالى أن يغفر له ويتغمده بعفوه ويسكنه في جنانه إن شاء الله تعالى.

ومن الأمور التي أريد أن أنوّه بها هي ضرورة اهتمام الشباب بالعلم، فأيها الإخوة أيها الشباب أيتها الشابات: عليكم جمعياً بأن تتقووا بالعلم فالعلم سلطان، وإذا أردتم ألا يتحكم بكم الأعداء وألا يُملوا عليكم قراراتهم فعليكم أن تتسلحوا بسلاح العلم، وأن تغتنموا الفرص للتعلم.

أيها الشباب لا تتهاونوا ولا تتكاسلوا ولا يشغلكم اللهو والإهمال وضياع الوقت، فإنّ الله قد أودعَ فيكم مواهب هائلة يجب عليكم أن تستثمروها وتفعلوا طاقاتكم وتشدوا على أجنحة الاهتمام وتشمروا عن ساعد الطموح، لتحققوا آمالكم ببناء هذا البلد الطيب المقاوم الصامد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.