“خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 19 ذي الحجة 1442 هـ

الجمعة 19 ذي الحجة 1442ه

الخطبة الأولى:

تذكر الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) آثار ونتائج صلة الرحم، وهي: تأخير الأجل، وسعة الرزق، وحبُّ الله لمن يصل رحمه، ودخول الجنة، وتزكية الأعمال، وتنمية الأموال، ودفع البلاء، وتيسير الحساب.

فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” ألا أدلّكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: من وصل من قطعه، وأعطى من حرمه، وعفا عمّن ظلمه… ومن سرّه أن ينسأ له في عمره، ويوسع له في رزقه، فليتق الله وليصل رحمه” (كتاب الحسين بن سعيد، ص102).

وعن الحسين بن زيد بن علي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنّ المرء ليصل رحمهُ وما بقي من عمره إلا ثلاث سنين، فيمدها الله إلى ثلاث وثلاثين سنة، وإنّ المرء ليقطعُ رحمَهُ وقد بقي من عمره ثلاث وثلاثون سنة، فيقصرها الله إلى ثلاث سنين أو أدنى. وكان أبو جعفر (عليه السلام) يتلو هذه الآية ﴿يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب﴾” (أمالي الطوسي، ص141).

وعلى أساس هذه الآية نعتقد نحن الإمامية عقيدةَ البداء؛ أنّ الله تعالى قد يقدر أمراً ولا يكون قضاءً حتمياً بل يكون معلقاً على بعض الأشياء، فيمكن أن يمحوه تعالى من كتاب حياة هذا الشخص أو من كتاب العالم.

ومثال البداء ما ذُكر في هذه الرواية من أن الله تعالى قد قدّر لهذا الشخص أن يبقى إلى ثلاث وثلاثين سنة اعتباراً من هذه اللحظة، فلو كان له من العمر الآن عشرين سنة فالمفروض أن يعيش إلى خمسٍ وخمسين سنة، ولكن لأنه قطع رحمه يمحو الله تعالى هذا التقدير من حياته ويقضي له قضاء حتمياً بأن يموت بعد ثلاث سنوات، فتدل الآية على أن هناك بعض الأشياء ليست قضاء حتمياً بل هي تقدير ابتدائي، وبناء على أعمالنا سيتغير هذا التقدير إيجاباً أو سلباً زيادةً أو نقصاناً، وهذا ما نعبر عنه في علم العقيدة بالبداء، وليس معناه – نستجير بالله – أن الله تعالى قد عزم على شيء ثم ندم وجعل شيئاً آخر مكانه.

ويقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من ضَمِنَ لي واحدةً ضَمِنتُ لهُ أربعةً: يصلُ رحمه فيحبُّهُ الله ويوسع عليه في رزقه ويزيد في عمره ويدخله الجنة التي وعده” (عيون أخبار الرضا، ج1، ص40).

وعن أبي حمزة قال: قال أبو جعفر الإمام محمد الباقر (عليه السلام): ” صلة الأرحام تزكّي الأعمال، وتنمّي الأموال، وتدفع البلوى، وتيسّر الحساب، وتنسئ في الأجل ” (بحار الأنوار، ج71، ص111)، والتزكية والزكاة بمعنى النمو والطهارة، إذاً صلة الرحم تطهر العمل من الرياء والشوائب، وتنمي العمل وتضاعفه، وتدفع البلوى وتيسر حسابك عندما تقوم بين يدي الله عز وجل للمحاسبة، وتؤخر في الأجل.

وفي حديث آخر عن عبد العظيم الحسني ينقل عن علي بن محمد ابن علي بن موسى بن جعفر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) قال: “لما كلَّمَ الله موسى بن عمران (عليه السلام) … قال موسى (عليه السلام): إلهي، فما جزاء من وصل رحمه؟ قال: يا موسى، أنسأُ لهُ أجله، وأُهوِّنُ عليه سكرات الموت، ويناديه خزنة الجنة: هلم إلينا فادخل من أي أبوابها شئت”. (أمالي الصدوق، ص276).

وعن الحكم الحناط قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): “صلة الرحم وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار” (الكافي، ج2، ص152)، فإذا وصلت رحمك وأحسنت إلى جارك أصبحت هذه الديار وهذه المدينة وهذه القرية كأنها كقطعة من الجنة.

الخطبة الثانية

ما زلنا في أجواء عيد الولاية، عيد الغدير الأغر، وكما تعرفون فإن النبي (صلى الله عليه وآله) بقي في غدير خم لمدة ثلاثة أيام، وكان الناس يهنئون علياً (عليه السلام) بإمرة المسلمين، وكونِهِ مولىً لهم ولجميع المؤمنين، فعظموا هذا العيد الذي هو عيد الله الأكبر.

وفي الأسبوع القادم يصادف ذكرى عيد المباهلة، وتعرفون ما حدث في المدينة المنورة بعد فتح مكة؛ إذ جاء وفد من كبار نصارى نجران من العلماء، ومنهم على حد قولنا في هذه الأيام “البطريرك” وما شابه ذلك، واستفسروا من النبي (صلى الله عليه وآله) عن المسيح (عليه السلام)، فقالوا: “يا محمد، ما تقول في السيد المسيح؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: عبد الله اصطفاه وانتجبه، فقال الأسقف: أتعرف له يا محمد أبا ولده؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لم يكن عن نكاح فيكون له والد، قال: فكيف قلت إنه عبد مخلوق، وأنت لم تر عبداً مخلوقاً إلا عن نكاح وله والد؟ فأنزل الله تعالى الآيات من سورة آل عمران إلى قوله: Pإِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ * فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَO(سورة آل عمران،59- 61)” (المستجاد من الإرشاد، ص105).

فقالوا لسنا اليوم لسنا متهيئين لهذه المباهلة، فإلى الغد، وقال رئيس الوفد للآخرين: إذا جاء محمد بأهله فعلينا أن نتجنب المباهلة، ولكن إذا جاء بأصحابه فلا بأس في أن نباهل، وعندما جاؤوا من الغد جاء النبي بسبطيه الحسن والحسين الذين كان يحبهما كثيراً وبابنته فاطمة وصهره علي، فقال رئيس وفد النصارى لأصحابه علينا أن نتجنب هذه المباهلة فقد يحدث شيء، وخافوا أن يباهلوا النبي (صلى الله عليه وآله) وصالحوه، وأصبح هذا اليوم يوم عيد المباهلة الذي حدث في المدينة المنورة، التي فيها الآن مسجد يسمى مسجد الإجابة، والمؤمنون يزرون هذا المسجد ويصلون صلاة التحية فيه إحياءً لذكرى هذه الحادثة العظيمة، التي وقعت في اليوم الرابع والعشرين من شهر ذي الحجة للعام التاسع للهجرة.

وفي اليوم نفسه وقعت حادثة جميلةٌ  أخرى يعرفها كل مؤمنٍ من شيعةٍ علي (عليه السلام) وهي تصدُّقُ الإمام بخاتمه أثناء الركوع، حيث نزلت في حقه الآية المسماة بآية الولاية، وذلك بشهادة كثير من المفسرين عند أبناء السنة والشيعة وهي قوله تعالى: Pإِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَO (سورة المائدة، 55).

وفي يوم الخامس والعشرين من ذي الحجة نزلت سورة الإنسان التي مطلعها: P هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا Oنزلت بشأن علي وفاطمة والحسن الحسين، وقصتها معروفة.

وكذلك جَرَت في الخامس والعشرين من ذي الحجة بيعة الناس لعلي (عليه السلام) بعد مقتل الخليفة الثالث، حيث تدفق الناس نحو علي (عليه السلام) وقالوا: امدد يدك حتى نبايعك.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.