خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 11 محرم 1443 هـ

الخطبة الأولى:

متابعةً لبحثنا حول أسلوب الحياة وفقاً للتعليمات الإسلامية أقول إن لصلة الرحم ترتيباً حسب الأولوية فذوو الأرحام ليسوا مثل بعضهم في القرب من الإنسان، إذ عند الله تعالى أقرب الناس رحماً الوالدان، وصلة الوالدة أهمُّ من صلة الوالد، وبعد ذلك يأتي الذين لهم علاقة نسبية مع الإنسان، وفي الدرجة الأخيرة من له علاقة بالمصاهرة.

وفي الروايات عن أئمتنا أهل البيت (عليهم السلام) قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ” خمس تمرات أو خمس قرص أو دنانير، أو دراهم يملكها الانسان وهو يريد أن يمضيها، فأفضلها ما أنفقه الإنسان على والديه. ثم الثانية على نفسه وعياله، ثم الثالثة على القرابة وإخوانه المؤمنين، ثم الرابعة على جيرانه الفقراء، ثم الخامسة في سبيل الله وهو أخسها أجراً” (تحف العقول، ص350).

إذا تريد أن تعطي أولاً انظر إذا وجد ذو رحم – خصوصاً الوالدان – فادفع إليه أولاً، وبعد ذلك على عيالك ونفسك حتى تعيش، وبعد ذلك إلى الفقراء من رحمك، وبعد ذلك تصل النوبة إلى جيرانك من الفقراء، وأخيراً أن تعطي شخصاً ما في سبيل الله.

إذاً إنْ وجد عندك شيء تريد أن تنفقه فعليك أن تقدر وتحدد الأولى فالأولى، أولاً إذا كان والداك محتاجان يجب أن تدفع إليهما، وإذا كان أهلك بحاجة يجب أن تنفق عليهم، وبعد هذا تنفق حسب المراتب، ولا تقل عندي شيء أريد أن أنفقه فأعطي فلاناً حتى يوزع بين الفقراء، بل انظر أولاً إن وجد من حولك من أرحامك من هو فقير فادفع إلى رحمك وإلى عشيرتك وبعد ذلك إلى الآخرين، فهذا برنامج النبي (صلى الله عليه وآله) وقد علمنا ذلك حتى تكون العشائر متكافلة بين أبنائها حتى لا تحدث ثغرات في المجتمع، فيهتم كل امرئٍ بعشيرته، فإذا فرغ من هذا يهتم بالآخرين، وإذا أصبحت كل جماعة تهتم بأنفسها بهذه الصورة لا يبقى فقرٌ.

وعن حسن بن علي الجلال قال أخبرني جدي قال سمعت الحسين بن علي (ع) يقول سمعت رسول الله (ص) “ابدأ بمن تعول: أمك وأباك وأختك وأخاك، ثم أدناك فأدناك، وقال: لا صدقة وذو رحم محتاج” (بحار الأنوار، ج93، ص147)، فإذا كان لك ذو رحم محتاج يجب أن تعطيه الصدقة ولا تصل النوبة إلى الغريب البعيد.

عل كل حال هذا درس لنا يفيدُ أن لصلة الرحم درجات ومراتب وأولويات، والأولى بنا في الاهتمام وفي الصلة هم أهل بيتنا، أولاً الوالدان ثم الآخرون.

إن أحسن الحديث وأبلغ الموعظة

الخطبة الثانية:

ما زلنا نعيش أجواء العزاء العاشورائية الكربلائية والحسينية، وخاصة من اليوم هذا فالأجواء زينبية.

في العالم منذ – بدء الخلق حتى الآن – صراعٌ بين جبهة الحق وجبهة الباطل جبهة الحق منذ آدم أبي البشر، وقد قال الله تعالى Pوَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَO (سورة المائدة، 27)، لقد كان هابيل وقابيل أخوين شقيقين، قربا قرباناً، فتقبل الله من هابيل ولم يتقبل من قابيل، فواجههُ قابيل مهدداً بقوله: لأقتلنك، فقال أخوه هابيل: قد كنتُ من المتقين، والله تعالى لا يتقبل إلا من المتقين، ومشكلتك أنك لم تكن تتقي الله ولم تنوِ أن تتقرب إلى الله بهذا القربان، ولذلك لم يتقبل الله منك هذا القربان. وقد أسفر هذا النزاع عن مقتل هابيل بيد أخيه.

وفي عهد نبي الله نوح (عليه السلام) واجهَ جبهة الباطل خلال فترة تفوق تسعة قرون وأخيراً نجاه الله تعالى وأهلَهُ ومن معه من شيعته بالسفينة.

وكذلك واجه النبي إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) جبهة الباطل المتمثلة بجبار وطاغوت اسمه نمرود الذي كان يريدا أن يكيد له بعقوبة كبيرة، حيث ألقاه في النار، وبفضل الله تعالى جُعلت النيران بستاناً “قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم”.

وكذلك كان نبي الله موسى (عليه السلام) هو وقومه في جبهة الحق، وتمثلت جبهة الباطل بفرعون ومن معه، وواجه نبي الله عيسى اليهود الذين كانوا يظلمونه وأرادوا أن يقتلوه، ورفعه الله تعالى إلى السماء، واشتبه اليهود وقتلوا شخصاً غير عيسى بن مريم (عليه السلام).

وكذلك قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) جبهة الباطل المتمثلة في رجال من مشركي قريش، مثل أبي سفيان وأبي جهل وأبي لهب، وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة، وغيرهم من صناديد العرب، واجههم وأسس حكومة في المدينة المنورة.

وبعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) استمر هذا الصراع قائماً حتى عهد الإمام الحسين (عليه السلام) الذي واجه الطواغيت واستشهد في حرب ضارية في كربلاء.

إن هؤلاء هم أهل جبهة الحق ولهم قِيَمٌ، يقول عنها الله تعالى في محكم كتابة في الآية 157 من سورة الأعراف Pالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ  أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَO، وفي المقابل فجبهة الباطل لها قيم تافهة، إذ لا يهتم أتباعها إلا بعلفهم ودنياهم ولا يهتمون إلا بتكاثر الثروة وظلم الآخرين.

والإمام الحسين (عليه السلام) في خطبة له في منى قبل أن يتربع يزيد على عرشه، قال في نهاية الخطبة وهو يدعو ربه بهذه الكلمات ويرسم القيم التي يراد لها أن تسود في المجتمع الذي يريد الحسين (عليه السلام) أن يبنيه: ” للَهُمَّ إنَّكَ تَعْلَمُ أَ نَّهُ لَمْيَكُنِ الَّذِي‌ كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي‌ سُلْطَانٍ وَلاَ التِمَاسَ شَي‌ْءٍ مِنْ فُضُولِ الحُطَامِ، وَلَكِنْ لِنَرُدَّ المَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ وَنُظْهِرَ الإصْلاَحَ فِي‌ بِلاَدِكَ فَيَأْمَنَ المَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وَتُقَامَ المُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ”  

فيقول عليه السلام: لسنا كأبناء الدنيا، لسنا كالجبابرة والطواغيت، ولا نتنافس في سبيل السلطان والتسلط على رقاب الناس، هذا ليس هدفنا، ليس هدف الأنبياء التسلط على رقاب الناس.

فما هو هدفك يا أبا عبد الله؟ يواصل الإمام ويقول “ولكن لنري المعالم من دينك “كأن تلك المعالم قد اختفت ونُسيت في عهد الإمام الحسين (عليه السلام) وهو يريد أن يريها للناس قائلاً: هذه معالم دين جدي.

ثم يقول (عليه السلام): “ألاَ تَرَون إلى الحقِّ لا يُعمَل به، وإلى الباطلِ لا يُتناهى عنه، ليرغب المؤمنُ في لقاء ربِّه مُحقّاً، فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً”، كما قال في وصيته لأخيه محمد ابن الحنفية بعد أن شهد بالتوحيد والرسالة والمعاد قال: “إِني لَمْ أَخْرُجْ أَشِرًا وَلا بَطَرًا، وَلا مُفْسِدًا وَلا ظالِمًا، وَإِنَّما خَرَجْتُ لِطَلَبِ الإصْلاحِ في أُمَّةِ جَدّي، أُريدُ أَنْ آمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأَسيرَ بِسيرَةِ جَدّي وَأَبي عَلِيّ بْنِ أَبي طالِب” يعني أنس لست متنافساً في السلطان ولا مفسداً ولا ظالماً كما يكون الجبابرة، الذين إذا خرجوا يخرجون لفسادٍ واعتلاء عرشٍ وحكم على رقاب الناس ظلماً.

 ويتابع الإمام عليه السلام في هذا الدعاء فيقول: “ويأمن المظلومون من عبادك” فيقول أنا أمانٌ للمظلومين، جبهة الحق أمانٌ للمظلومين الأئمة أمانٌ للمظلومين، ومن كان حاكماً إلهياً ربانياً يجب أن يكون هكذا؛ يأمن المظلومون في ظل حكومتهم، فهؤلاء لا يعملون تنافساً في سلطان ولا يريدون حطام الدنيا.

وقد أدركنا أمثال هؤلاء القادة، وسلام الله ورضوانه على الإمام الخميني (ره) الذي لم يلتمس حطام الدنيا، عندما جاء إلى إيران كان يملك شيئاً بسيطاً، أرضٌ في مدينة خمين باعها ووهبها للفقراء، كان له بيت مثل الكوخ، سكن هناك أولاً وبعد ذلك اضطر إلى أن يأتي إلى طهران ويبقى فيها واختار بيتاً صغيراً في جمران في شمال طهران، وحتى الحسينية التي كان يخطب فيها لم يسمح أن يزينوها بشيء، وإذا شاهدتم الأفلام الموجودة من خطابات الإمام الخميني ترون هذه الحسينية كيف كانت.

لقد عاش الإمام الخميني وهز عروش الطغاة ولم يتنافس في سلطان، ولم يتسلط على رقاب الناس، وكان يقول: أن تسموني خادماً أفضل من أن تقول إنك إمامٌ، وفي العصر الحالي ينتهج سماحة الإمام الخامنئي النهج نفسه.

لقد قامت حروب وغزوات لبعض الدول ومنها هذا البلد الذي احتل شماله بعضُ من أرادوا أن يتنافسوا في سلطان، يتحدثون عن الدولة العثمانية الكبيرة السابقة، ويمدون حدودهم إلى نحو كركوك في العراق ويقولون هذه بلادنا، ولا يأتون ليأمن المظلومون.

وشتان بين أولئك وبين قائدٍ مؤمنٍ مجاهدٍ عرفتموه خادماً لهذا البلد، خادماً للمقاومة خادماً للإخوة في العراق إلا وهو القائد الشهيد الحاج قاسم سليماني، هل كان متنافساً في سلطان؟ هل كان يلتمس فضول حطام الدنيا؟ أم كان يريد أن يأمن المظلومون؟

هذا هو الفارق بين جبهة الحق وقيم جبهة الباطل، وأي أحد يدعي أنه في جبهة الحق إذا لم يأمن المظلومون تحت رعايته فهو كذاب، وأنا أتهمه في دينه وعلى ما يقول.

فالطريق الوحيد لأن تكون على جبهة الحق أن تطبق ما قاله الحسين (عليه السلام) من أنَّ أهلَ الحق لا يتنافسون في سلطان ولا يلتمسون من فضول الحطام، بل يريدون أن يروا معالم الدين ويظهروا الإصلاح ويحاربوا الفساد ويأمن المظلومون من عباد الله تعالى في بلاد المسلمين.

أيها الإخوة عليكم أن تعرفوا الحسين بهذه القيم، علينا أن نعرف الحسين أكثر من السابق فالحسين لم يقاتل لنبكي عليه فحسب، إنما نبكي لأنفسنا بأننا فقدنا الحسين، إنما نبكي عليه ليبقى ذكره خالداً، هذا هو الهدف الأخير.

لقد جعله الله تعالى قتيل العبرة، هذا جانب، والجانب الآخر هذا الذي صرحت به سيدتنا زينب (عليها السلام) وخاطبت يزيد المتعجرف والمستكبر فحقرته بهذا الكلام حيث قالت “لن تمحو ذكرنا” فنجد أن أي أحد لم يستطع أن يمحو ذكر آل البيت (عليهم السلام)، ولم يستطع أي جبار لم يستطع أن يفعل هذا، منذ زمن الحجاج بن يوسف إلى التكفيريين الوهابيين، وهذه الحرارة في قلوبنا من حب الحسين والانتهاج بنهجه (عليه السلام) تجعلنا نأبى أية وضيم، ونحن أعزاء نردد ونقول (هيهات منا الذلة).

لقد دعا الإمام الحسين كأنه يتوعد مصير من يخالفه فقال “فإن لم تنصرونا وتنصفونا قوي الظلمة عليكم وعملوا في إطفاء نور نبيكم وحسبنا الله وعليه توكلنا وإليه أنبنا إليه المصير “.

اليوم هو يوم الحادي عشر من شهر محرم، في مثل هذا اليوم انتقلت قافلة الأسرى من كربلاء، نُقلتْ النسوة إلى هؤلاء الظلمة، فناشدنَ قائلات: “بالله عليكم إلا مررتم بنا على القتلى” ولما نظرن إليهم مقطعي الأوصال قد طعنتهم سمر الرماح ونهلت من دمائهم بيض الصفاح وطحنتهم الخيل بسنابكها، صحن ولطمن الوجوه، وصاحت زينب: يا محمدا هذا حسين بالعراء مرمل بالدماء مقطع الأعضاء وبناتك سبايا وذريتك مقتلة، فأبكت كل عدو وصديق حتى جرت دموع الخيل على حوافرها، ثم بسطت يديها تحت بدن الإمام الحسين (عليه السلام) المقدس ورفعته نحو السماء وقالت: اللهم تقبل منا هذا القربان

السلام عليك يا أبا عبد الله وعلى الأرواح التي حلت بفنائك .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.