خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 3 صفر1443 هـ

الجمعة 3 صفر 1443

الخطبة الأولى:

نتابع البحث حول أسلوب الحياة وفق الرؤية الإسلامية، وقد تحدثنا عن بر الوالدين، وفي هذه الخطبة – إن شاء الله – نقرأ بعض الأحاديث حول عقوق الوالدين.

العقوق مصدر فعل عَقَّ يَعُقُّ، وعقوق الوالدين يعني إيذاء الوالدين وعصيانهما وترك الإحسان إليهما، وبعبارة أخرى ترك البر بالوالدين، فقد يكون الولد ابناً أو بنتاً عاقاً بالوالدين أي قاطعاً للوالدين، لأن المعنى اللغوي للعقوق هو الشق والقطع.

ومصداق عقوق الوالدين إيذاء الوالدين وعدم الإحسان إليهما، ولكن عندما نقرأ القرآن الكريم نجد تعبيراً يكشف مدى خطورة عقوق الوالدين، فأدنى حد لعقوق الوالدين أن تقول لهما أف، أي أن تتأفف عندما تكره شيئاً فيكفهر وجهك أو تقول أف، وهذا شيء بسيط ولكنه في حق الوالدين عقوق وترك للإحسان وإساءة وإيذاء، وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: “لو علم الله شيئاً أدنى من أفٍ لنهى عنه، ومن العقوق أن ينظر الرجل إلى والديه فيحد النظر إليهما ” (الكافي، ج2، ص349). فيذكر الإمام هنا مصداقاً آخر للعقوق هو أن ينظر الرجل إلى والديه ويحدَّ النظر إليهما بمعنى أن يحدق فيهما، والتحديق قد يكون تعبيراً عن الإعجاب بشخصٍ، ولكن قد يكون إهانة له بأن تنظر إليه لتُفهِمَهُ أنك غضبت منه، هذا أيضاً من العقوق، فلا تنظر إلى والديك إلا بنظر الرحمة، وعندما تدعو لهما قل ربي ارحمها كما ربياني صغيراً.

عن أبي جعفر محمد الباقر(عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلام له: “إياكم وعقوق والدين فإن ريح الجنة توجد من مسيرة ألف عام ولا يجدها عاقٌ ولا قاطع رحم ولا شيخ زانٍ ولا جار إزاره خيلاء، إنما الكبرياء لله رب العالمين” (الكافي، ج2، ص349).

وفي حديث آخر عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) قال: ” مَنْ نَظَرَ إِلَى أَبَوَيْهِ نَظَرَ مَاقِتٍ وَ هُمَا ظَالِمَانِ لَهُ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً ” (الكافي، ج2، ص349)، هذان الأبوان ظلما الابن أو البنت، ومع ذلك لا يحق للابن أو البنت أن ينظرا نظر الماقت أو المبغض لوالديهما -مع كونهما ظالمين- وإلا لن يقبل الله لهما صلاة، هذا يشير إلى مدى أهمية بر الوالدين وخطر عقوقهما.

وعن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أن رسول لله (صلى الله عليه وآله) قال: ” “فَوْقَ كُلِّ ذِي بِرٍّ بِرٌّ حَتَّى يُقْتَلَ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِذَا قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَيْسَ فَوْقَهُ بِرٌّ. وَإِنَّ فَوْقَ كُلِّ عُقُوقٍ عُقُوقاً حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ أَحَدَ وَالِدَيْهِ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَلَيْسَ فَوْقَهُ عُقُوقٌ ” (الكافي، ج2، ص348)، سبحان الله! أعاذنا الله من مثل هذا، ولا يوجد الحمد لله في مجتمعنا مثله.

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: ” قال رسول الله صلى الله عليه وآله رحم الله من أعان ولده على بره، قال: قلت كيف يعينه على بره؟ قال: يقبل ميسوره ويتجاوز عن معسوره ولا يرهقه ولا يخرق به، فليس بينه وبين أن يصير في حد من حدود الكفر إلا أن يدخل في عقوق أو قطيعة رحم” (الكافي، ج6،ص50)، قد يفعل الولد شيئاً غير ذي قيمة فقل أنت له: أحسنتَ أقبلُ منك هذا اليسير، ولا تقل له ما يكسره، وإذا أخطأ فلا تعاتبه، وتجاوز عنه، ولا تخرق به أي لا تنسبه إلى الحمق والجهل؛ إذ كثيراً ما نسمع الوالد يهين ولده وينعته بالحمق والجهل.

وفي حديث قدسي في كتاب جامع السعادات جاء فيه: “إن الله تعالى قال بعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لو أن العاق لوالديه يعمل بأعمال الأنبياء جميعاً لن أقبلها منه”، وعن الإمام الهادي (عليه السلام): “والعقوق يعقب القلة، ويؤدي إلى الذلة” (مستدرك الوسائل، ج15، ص195) فبنتيجة عقوق الوالدين ماذا يأتي؟ تأتي القلة، فلا يشتكِينَّ أحد ويقول لماذا رزقي قليل؟ بعد أن عق والديه، ولا ريب سيجدُ الذلة في هذه الدنيا قبل أن يعاقب في الأخرى.

وعن الإمام الصادق (عليه السلام) يقول في بيان أنواع وآثار الذنوب: “ التي تَرُدّ الدعاء وتُظلم الهواء عُقوقُ الوالدين” (بحار الأنوار، ج73، ص373).

الخطبة الثانية

ما زلنا نعيش في أجواء الحزن والمأتم لأبي عبد الله الحسين (عليه السلام) وأهل بيته العظام وأصحابه الأوفياء، ففي مثل هذه الأيام وصلت القافلة المنورة من أهل بيت الرسول إلى هذا البلد.

إنّ الله تعالى عندما يرسل آية لهداية البشر يقتنع بعضهم بالأدلة العقلية، وبعض يسطع في قلبه نور الإيمان ويؤمن، وبعض لا يقبل إلا أن يأتي النبي أو الولي بمعجزة أو آية.

بعدما استشهد الإمام الحسين (عليه السلام) سارت هذه القافلة  وهي تحمل معها آيات كثيرة، وكانت لرأس الحسين الشريف (عليه السلام) رسالة وآية، وأدى دوره بشكل كامل في هذا السفر، بأن يوصل رسالة هذه الثورة إلى جميع الناس أن الأعداء قد سبوا حريم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليذلوهم، ولكن الله تعالى قد أعزهم. أراد الأعداء إرعاب الناس وترهيبهم، ولكن الناس استيقظوا من غفلتهم، وكان لهذا الرأس المطهر دور في ذلك. كما كان لهذه السيدة الكريمة عقيلة الهاشميين زينب الكبرى (عليها السلام) دور ولبنات أمير المؤمنين (عليه السلام) دور مهم في هذا المجال، ولصبية وللأطفال دور، وحتى للإمام محمد الباقر (عليه السلام) مع صغر سنه دورٌ حيث خطب في هذا السفر أمام الناس خطبة مهمةً.

لقد أراد الله تعالى أن تكون هذه الثورة مصحوبة بالآيات، ففي اليوم الحادي من شهر محرم عندما جاءت النسوة إلى مقتل سيد الشهداء (عليه السلام)، عندما نزلن إلى هذه الجثامين المطهرة اعتنقت سكينة أباها الحسين (عليه السلام) وتحدثت معه وأعطاها رسالة لتبلغها لشيعته، وهذا لم يكن مناماً بل كان مكاشفةً من السيدة سكينة التي يصفها الإمام الحسين (ع) يصف سكينة فيقول: “أما سكينة فغالب عليها الاستغراق مع الله تعالى” (إسعاف الراغبين، ص102) لقد كانت عارفة مجذوبة لجذبات معنوية فقالت في المكاشفة: قالت سكينة: “لما قتل الحسين (عليه السلام) اعتنقته، فأغمي علي، فسمعته يقول:شيعتي ما إن شربتم ري عذب فاذكروني * أو سمعتم بغريب أو شهيد فاندبوني” (المنتخب، ص307)

وعندما جيء بالرأس المطهر في بيت خولي بن يزيد الأصبحي (لعنه الله) رأت زوجته من هذا الرأس المطهر كرامات، وكذلك كان شأن الرأس المطهر عند الطاغية عبيد الله بن زياد، حيث تقطرت قطرة من هذا الدم المطهر على فخذ هذا الخبيث ابن الخبيث بن زياد فأصبح جرحً شديداً عميقاً بحيث أصبح متعفناً نتناً وكان يستعمل كثيراً من الطيب من المسك ليزيل هذا النتن، وقال إبراهيم بن مالك بن أشتر النخعي: عندما شممت في ظلمة الليل هذه الريح تأكدت أنه ابن زياد لأنه كان يستخدم المسك لأجل هذا الجرح بسبب دم الحسين (عليه السلام) فقتلت ابن زياد بعد أن عرفته بهذه العلامة.

ومن كرامات الرأس الشريف ما جرى عند الراهب المسيحي في مشهد النقطة الحالي في حلب حيث يدل على هذه القصة، وما يرويه ابن نماء الحلي في كتابه مسير الأحزان يقول: “روى النطنزي، عن جماعة، عن سليمان الأعمش، قال: بينا أنا في الطواف أيام الموسم، إذا رجل يقول: اللهم اغفر لي وأنا أعلم إنك لا تغفر، فسألته عن السبب فقال: كنت أحد الأربعين الذين حملوا رأس الحسين عليه السلام إلى يزيد على طريق الشام، فنزلنا أول مرحلة رحلنا من كربلا على دير النصارى والرأس مركوز على رمح، فوضعنا الطعام ونحن نأكل إذا بكف على حائط الدير يكتب عليه بقلم حديد سطراً بدم:
أترجوا أمة قتلت حسيناً * شفاعة جده يوم الحساب؟ فجزعنا جزعاً شديداً، وأهوى بعضنا إلى الكف ليأخذه فغابت، فعاد أصحابي” (بحار الأنوار، ج44، ص224)

ولسكينة (عليها السلام) أيضاً لها قصة رؤيا أخرى حيث نُقل: ” ورأت سكينة في منامها وهي بدمشق كان خمسة نجب من نور قد أقبلت وعلى كل نجيب شيخ والملائكة محدقة بهم ومعهم وصيف يمشى فمضى النجب واقبل الوصيف إلي وقرب مني وقال يا سكينة إن جدك يسلم عليك، فقلت وعلى رسول الله السلام، يا رسول رسول الله، من أنت؟ قال وصيف من وصايف الجنة، فقلت من هؤلاء المشيخة الذين جاؤوا على النجب؟ قال: الأول آدم صفوة الله والثاني إبراهيم خليل الله والثالث موسى كليم الله والرابع عيسى روح الله، فقلت: من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى؟ فقال جدك رسول الله صلى الله عليه وآله، فقلت وأين هم قاصدون؟ قال إلى أبيك الحسين، فأقبلت أسعى في طلبه لأعرّفه ما صنع بنا الظالمون بعده، فبينما أنا كذلك إذ أقبلت خمسة هوادج من نور في كل هودج امرأة، فقلت من هذه النسوة المقبلات؟ قال الأولى حواء أم البشر، والثانية آسية بنت مزاحم والثالثة مريم بنت عمران والرابعة خديجة بنت خويلد والخامسة الواضعة يدها على رأسها تسقط مرة وتقوم أخرى، فقلت من؟ فقال جدتك فاطمة بنت محمد أم أبيك، فقلت والله لأخبرنها ما صُنع بنا، فلحقتها ووقفت بين يديها أبكي وأقول يا أمتاه جحدوا والله حقنا يا أمتاه بددوا والله شملنا يا أمتاه استباحوا والله حريمنا يا أمتاه قتلوا والله الحسين أبانا، فقالت: كفى صوتك يا سكينة فقد أقرحت كبدي وقطعت نياط قلبي، هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى الله به، ثم انتبهت وأردت كتمان ذلك المنام وحدثت به أهلي فشاع بين الناس” (مثير الأحزان، ص83).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.