خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 10 صفر1443 هـ

الجمعة 10 صفر 1443

الخطبة الأولى:

بعد أن فرغنا من البحث حول صلة الرحم وبرّ الوالدين نصل إلى موقف الإسلام من الأسرة التي هي أول وأهم نواة للمجتمع؛ فالإسلام يدعو لتشكيل الأسرة بالزواج، حيث يقول الله تعالى Pوَمِنْ آياته أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰاجاً لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآياتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَO (سورة الروم، 21).

والخطاب في هذه الآية موجه إلى الرجل وإلى المرأة، ويستخدم القرآن كلمة “الزوج” فيطلقها عليهما فيكون كل منهما سبباً لسكون الآخر، فقوله “لتسكنوا إليها” يبين أن القرآن يرى الزوجية مصدر اطمئنان وسكون، وكذلك يقول الله تعالى في سورة الأعراف Pهُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا O (سورة الأعراف، 189).

فعلى كل إنسان أن يكون ملتزماً بأسرته، وإنما سمي الرجل قواماً على النساء لأنه رئيس البيت وله فضلٌ على المرأة بأن في يده القرار في البيت، وهذا يضع على كاهله عبئاً ثقيلاً يتعلق بمستقبل أسرته في الدنيا وفي الأخرة، ولذلك يقول الله تعالى: Pيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ…O (سورة التحريم، 6). لستَ مسؤولاً عن نفسك فحسب؛ بل أنت مسؤول عن أهلك؛ أن تقيهم النار بتطبيق تعليمات الدين في حياتك، فإذا طبقت تعليمات الأنبياء وقيتَ نفسك وأهلك نيرانَ جهنم.

فرئيس الأسرة مسؤول عن عاقبة أهله، كما أن خليل الرحمن (عليه السلام) عندما جاء بزوجته هاجر وابنه الصغير الرضيع إسماعيل (عليه السلام) إلى الحجاز دعا ربه قائلاً: Pرَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَO (سورة إبراهيم،  37) فقد شعر (عليه السلام) بالقلق لمصير أهله ولم يكن محايداً ولم يقل هم يتدبرون أمرهم وأنا أتدبر أمري.

وليس في الإسلام هذا المبدأُ القائل: اهتم بأمرك وهذا شأنك، بل إن شأنَكَ شأنُ أهلك ومجتمعك، وكلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، ولكن للأسف الشديد فقد تسربت بعض عقائد العالم المادي الغربي في أوساط الناس، حتى صار يقال: هذا شأنك.

ما معنى هذا شأنك؟ بل شأنه هو شأنك؛ لأنكم من عائلة واحدة فإن لم تكونوا كذلك فأنتم من مجتمع واحد ومن وطن واحد، فإن لم تكونوا كذلك فأنتم من بني البشر، وعلى الإنسان أن يهتم للآخرين من بني البشر، هذا هو ديدن الإسلام.

يخاطب إبراهيم (عليه السلام) ربه: إلهي أنت أمرتني أن أهاجر من الشام إلى هنا، من فلسطين إلى هنا، أو من بابل لأن أصل إبراهيم (عليه السلام) من بابل في العراق ولكن هاجر أخيراً إلى بلاد الشام إلى فلسطين، ثم كان مأموراً بأن يأتي بأهله إلى بلاد الحجاز إلى هنا.

ويقول: وأنا يا ربِّ أطعتُ ولكن أن قلق لحال أهلي، جئتُ بهم ليقيموا الصلاة. فيقلق (عليه السلام) بشأن عبادتهم ويدعو لآخرتهم لا لشؤونهم المالية المادية ولو أنه كان يهتم بها، فيقول: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، فجعل الله تعالى أفئدة الناس تهوي إلى مكة المكرمة وجعل الثمرات تجبى إلى هذا البلد بدعاء النبي إبراهيم (عليه السلام).

وعندما كان لوط (عليه السلام) يرى ما يرى من أمته لم يكن يهتم بنفسه فقط، بل كان يقول ربي نجني وأهلي مما يعملون.

هذا هو شأن الأنبياء الذين هم قدواتنا، فلنتعلم منهم وليكن المؤمن هكذا مع أهله، أن يكون حريصاً على آخرتهم، وأما بالنسبة لمعاشهم فهل يجوز أن تقول أنا أحصل على قوتي وأهلي يحصلون على قوتهم؟ كلا؛ عندما ضاق المعاش بيعقوب (عليه السلام) وأهله طلب الطعام وأرسل بنيه للحصول عليه من مصر، ومع أنه كان يحب بنيامين وعلى الرغم مما جرى على يوسف (عليه السلام) رضي بأن يرسل بنيامين ليأتي بنوهُ بحنطة أكثر لقوتِ عياله.

ولنستمع لما قاله النبي محمد (صلى الله عليه وآله) فيما رواه جابر بن عبد الله الأنصاري قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “كل معروفٍ صدقة، وما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة” (بحار الأنوار، ج96، ص182)، فالمعروف يعني كل عمل خير، وأنتم متعودون على أن تقولوا “اعمل معروف” فهذا مأخوذٌ من السنة، وكل معروفٍ صدقة ولو كان هذا المعروف لإنسان غير معوز وغير فقير كأن تعمل معروفاً لصديقك أو لأخيك أو لجارك ولمن تحب، وكل ما أنفق المؤمن من نفقة على نفسه وعلى عياله وأهله كتب له بها صدقة، وقد يدفع الإنسان شيئاً من المال يقي به عرضه، ولو أنه ليس من التكاليف المعتادة لحياته، ولكن يرى أن دفع الشر الفلاني الذي قد ينال من عرضه يكون ببذل مال فهذا صدقة.

وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي” (من لا يحضره الفقيه، ج3، ص362)، علينا أن لا نبخل نحو أهلنا، وأن نزيد في بذل المعروف إليهم كما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يصنع مع أهله.

وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: “قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “من دخل السوق واشترى تحفةً فحملها إلى عياله كان كحاملِ صَدَقةٍ إلى قومٍ محاويج” (ثواب الأعمال، ص201) أي كأنه أعطى الفقير فكان له ثواب صدقة.

وكذلك عن الإمام الكاظم (عليه السلام) فيما رواه بعض أصحابه: “قال لي أبو الحسن الأول (عليه السلام): من طلبَ هذا الرزق من حِلّهِ ليعودَ به على نفسهِ وعيالهِ كان كالمجاهد في سبيل الله، فإن غُلِبَ (أي لم يستطع أن يوفر مؤنة أهل بيته) فَليسْتَدِنْ على الله وعلى رسوله (صلى الله عليه وآله) ما يقوت به عياله، فإن مات ولم يقض ِكان على الإمام قضاؤهُ. فإن لم يقضه كان عليه وزره، إنّ الله تبارك وتعالى يقول: “إنما الصدقات للفقراء والمساكين… والغارمين” فهو فقير مسكين مغرم..” (قرب الإسناد، ج1، ص340)،

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام) عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): “إذا أعسر أحدكم فليخرج من بيته وليضرب في الأرض يبتغي من فضل الله ولا يغِمَّ نفسه وأهله” (دعائم الإسلام، ج2،ص13) بعضهم عندما يعسرون يجلسون وينشرون الغم في البيت لأنفسهم ولأهليهم، فإذا لم تجد ما توفره لأهلك من مؤنة حياتهم فلا تضع يدك على خدك وتفتح فاهك إلى السماء وتقول اللهم ارزقني، بل عليك أن تخرج في طلب مؤونتهم، وهذا ما تقرؤونه في تعقيب صلاة العشاء: “لا أدري أفي سهلٍ هو أم في جبلٍ.. فأجول في طلبه البلدان” أي يجب على المؤمن إذا كان في طلب قوت عياله أن يسافر ويجول البلدان في طلب المعاش ولا يُغِمَّ نفسه وأهله.

وبعضهم عندما يزيد الله تعالى في ماله تراه لا ينفق على أهله بل يدع المال متراكماً بعضه على بعض، وفي ذلك قال الإمام الرضا (عليه السلام): “صَاحِبُ النِّعْمَةِ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْسِعَةُ عَنْ عِيَالِهِ” (الكافي، ج4، ص11)، فإذا كان عندك من المال ما يزيد عن السابق فعليك أن تنفق على عيالك حتى يشعروا بما يفرحهم، ولا تدّخرْ إذ على كل حال سيأكل أهلُكَ هذا المال بعد وفاتك، ولا تعرف كيف سيفعلون ذلك، وربما يتشاجرون بعضهم مع بعضٍ بسبب المال الذي ادخرته لهم.

الخطبة الثانية

من مناسبات هذه الأيام استشهاد الصحابي الجليل أبي اليقظان عمار بن ياسر رضوان الله تعالى عليه، هذا الصحابي البصير الذي كان يعمل في حرب صفين على فضح البُغاة القاسطين، ويحاول إنارة العقول وإيقاظ الناس ببيان حقائق الرايات الضالة، وكان يقول: أنا أعرف هذه الرايات، لقد حاربناها في بدر وأحد والخندق، ومع أن أهلها يصلون ويهتفون الله أكبر إلا أنهم ليسوا من أهل لا إله إلا الله الحقيقيين، بل هم منافقون.

هذا هو عمار بن ياسر الذي كان قدوة لجميع المؤمنين ببصيرته التي بها استشهد في هذه الأرض المباركة أرض سورية، ودفن في الرقة.

وأقرأ الآن ما قالته السيدة زينب (عليها السلام) في خطبتها بقلبٍ حزينٍ لكنه صابر، وبعين باكية مسلِّمةٍ لأمر الله، في وجه الطاغية يزيد، فاستحقت (عليها السلام) بذلك أن تلقَّبَ بجبل الصبر؛ إذ كيف تتحمّلُ امرأةٌ هكذا مصائب وتتحدث بهذه الكلمات القوية والمعنويات العظيمة؟ فلنستمع ما تقوله زينب (عليه السلام):

“فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب (عليهم السلام) فقالت: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى جَدِّي سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَدَقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ يَقُولُ: ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُوا السُّوأى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ.

أَظَنَنْتَ يَا يَزِيدُ حِينَ أَخَذْتَ عَلَيْنَا أَقْطَارَ الْأَرْضِ، وَضَيَّقْتَ عَلَيْنَا آفَاقَ السَّمَاءِ، فَأَصْبَحْنَا لَكَ فِي إِسَارٍ، نُسَاقُ إِلَيْكَ سَوْقاً فِي قِطَارٍ، وَأَنْتَ عَلَيْنَا ذُو اقْتِدَارٍ، أَنَّ بِنَا مِنَ اللَّهِ هَوَاناً وَعَلَيْكَ مِنْهُ كَرَامَةً وَامْتِنَاناً؟؟ وَأَنَّ ذَلِكَ لِعِظَمِ خَطَرِكَ وَجَلَالَةِ قَدْرِكَ؟؟ فَشَمَخْتَ بِأَنْفِكَ وَنَظَرْتَ فِي عِطْفٍ، تَضْرِبُ أَصْدَرَيْكَ فَرِحاً وَتَنْفُضُ مِدْرَوَيْكَ مَرِحاً حِينَ رَأَيْتَ الدُّنْيَا لَكَ مُسْتَوْسِقَةً وَالْأُمُورَ لَدَيْكَ مُتَّسِقَةً وَحِينَ صَفِيَ لَكَ مُلْكُنَا وَخَلَصَ لَكَ سُلْطَانُنَا.

فَمَهْلًا مَهْلًا لَا تَطِشْ جَهْلًا! أَ نَسِيتَ قَوْلَ اللَّهِ: وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ. أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا؟؟ قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ يَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَسْتَشْرِفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاقِلِ وَيَبْرُزْنَ لِأَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْغَائِبُ وَالشَّهِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالدَّنِيُّ وَالرَّفِيعُ، لَيْسَ مَعَهُنَّ مِنْ رِجَالِهِنَّ وَلِيٌّ وَلَا مِنْ حُمَاتِهِنَّ حَمِيمٌ، عُتُوّاً مِنْكَ عَلَى اللَّهِ وَجُحُوداً لِرَسُولِ اللَّهِ وَدَفْعاً لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا غَرْوَ مِنْكَ وَلَا عَجَبَ مِنْ فِعْلِكَ. وَ أَنَّى يُرْتَجَى مُرَاقَبَةُ مَنْ لَفَظَ فُوهُ أَكْبَادَ الشُّهَدَاءِ ، (تشير السيدة زينب (ع) إلى جدة يزيد، آكلة الأكباد هند الخبيثة)، فَلَا يَسْتَبْطِئُ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَنْ كَانَ نَظَرُهُ إِلَيْنَا شَنَفاً وَشَنْآناً وَأَحَناً وَضَغَناً يُظْهِرُ كُفْرَهُ بِرَسُولِهِ وَيُفْصِحُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ يَقُولُ فَرِحاً بِقَتْلِ وُلْدِهِ وَسَبْيِ ذُرِّيَّتِهِ غَيْرَ مُتَحَوِّبٍ وَلَا مُسْتَعْظِمٍ: لَأَهَلُّوا وَاسْتَهَلُّوا فَرَحاً * وَلَقَالُوا يَا يَزِيدُ لَا تُشَلَّ (تقبّح (عليها السلام) ما كان يفتخر به يزيد، ويتمنى أن يكون أشياخه الذين قتلوا بيد علي (عليه السلام) في بدر موجودين فيشجعونه بأن يقولوا: يا يزيد لا تشل)        
مُنْتَحِياً عَلَى ثَنَايَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَكَانَ مُقَبَّلَ رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) تنْكُتُهَا بِمِخْصَرَتِك، لَعَمْرِي لَقَدْ نَكَأْتَ الْقُرْحَةَ وَاسْتَأْصَلْتَ الشَّأفَةَ  ،( الشأفة القرحة الصلبة القديمة التي تُستأصل بالكَيِّ، والمقصود منها هنا قرحة بني أمية وحقدهم القديم منذ بدايتهم)  بإراقتك دماء ذرية محمد (ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب وتهتف بأشياخك زعمت أنك تناديهم، فلتردن وشيكاً موردهم ولتودّنَّ أنك شُلِلتَ وبكمت ولم تكن قلت ما قلت وفعلت ما فعلت. اللهم خذ لنا بحقنا ، وانتقم ممن ظلمنا ، وأحلل غضبك بمن سفك دماءنا، وقتل حماتنا. فو الله ما فَرَيتَ إلا جلدك ، ولا حززت إلا لحمك ، ولترِدَنَّ على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما تحملت من سفك دماء ذريته وانتهكت من حرمته في عترته ولُحمته، حيث يجمع الله شملهم، ويلم شعثهم ويأخذ بحقهم، ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. وحسبُك بالله حاكماً، وبمحمد (صلى الله عليه وآله) خصيما، وبجبريل ظهيراً، وسيعلم من سوَّلَ لك ومكّنك من رقاب المسلمين بئس للظالمين بدلاً وأيُّكم شرٌّ مكاناً وأضعفُ جُنداً، ولئن جرَّتْ عليَّ الدواهي مخاطبتك، إني لَأَستَصغِرُ قَدركَ وأستعظِمُ تقريعك وأستكثر توبيخك، ولكنَّ العيون عبرى والصدور حرى .

ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء، فهذه الأيدي تنطِفُ من دمائنا ، والأفواه تتحلَّبُ من لحومنا، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل، وتعفرها أمهات الفراعل. ولئن اتخذتنا مغنماً لتجدنا وشيكاً مغرماً، حين لا تجدُ إلا ما قدّمتْ يداك، وما ربُّك بظلّامٍ للعبيد، والى الله المشتكى وعليه المعوَّلُ.
فكِدْ كيدكَ، واسعَ سعيكَ وناصبْ جُهدَكَ، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميتُ وحينا ، ولا يرحضُ عنك عارُها، وهل رأيك إلا فَنَدٌ وأيامك إلا عددٌ وجمعُكَ إلا بدد؟ يوم ينادى المنادي ألا لعنة الله على الظالمين. والحمد لله رب العالمين الذي ختم لأولنا بالسعادة والمغفرة ولآخرنا بالشهادة والرحمة، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب، ويوجب لهم المزيد ويحسن علينا الخلافة، إنه رحيم ودود، وحسبنا ونعم الوكيل”

هذه دروس من مدرسة كربلاء، وزينب هي الناطقة باسم ثورة كربلاء، وهي تعلمنا أن نقول أمام الطغاة ما قالته، نقول لهؤلاء الطغاة، نقول لمستكبري العالم: أيها الرئيس الأمريكي المجرم، أيها الرئيس الخبيث الذي تضطهد أهلنا في الأراضي المحتلة الفلسطينية، نحن زينبيون نردد جميعاً ما قالت زينب (عليها السلام): فكد كيدك، واسع سعيك، وناصب جهدك، فو الله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا.

هذا ما علمته زينب (عليها السلام) لجميع الأحرار، ولنا نحن جيرانها. جعلنا الله وإياكم من الطالبين بثأر الإمام الحسين (عليه السلام) بقيامنا بواجبنا تجاه الإسلام والحنيف، وبأن نكون صامدين في وجه الأعداء حتى يأتي نصر الله تعالى، وهو بإذن الله تعالى قريب  من المؤمنين.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.