خطبة الجمعة لسماحة آيه الله السيد أبو الفضل الطباطبائي في مصلى السيدة زينب (ع) 16 ذو القعدة 1437 هـ

صلاة الجمعة: 16 ذو القعدة  1437 هـ

(1)

عباد الله ! أوصيکم ونفسي بتقوى الله و اتباع أمره ونهیه وأخوفکم من عقابه.

أيها المؤمنون والمؤمنات:

لکل شيء ظاهر وباطن، ولکل طائفه اسم ومسمی، وکل ذلك مما یعتبر فی المسائل الدنیویة وفي أعین الناس، أي إن قسماً  من شخصیة الإنسان في الدنیا وفي أعین الناس انما یعتبر بظاهره و اسمه، و قسما آخر منها یعتبر بالمعنی والمسمی.

و لکن ذلك ما کان صحیحا فی نظر الإسلام و المعارف الإسلامية وکلمات الأئمة الاطهار g، لأن المهم عندهم الاعتبار بالمعنی والمسمی فقط، و الظاهر والاسم انما یدلان علی المسمی و بعبارة أخری إن الاسم انما هو علامه علی المسمی وعلی الحقیقه و علی الباطن، ولا يعتبر منه أكثر من ذلك.

ان کلمه الشیعة و کلمة المسلم انما هو اسم وظاهر وعلامة، وإما حقیقة الشیعة و حقیقة المسلم أمر آخر أهم من اسمه وظاهره.

و في ذلك قال الإمام الباقر g: ما شیعَتُنا إلّا مَنِ اتَّقَى اللّهَ وأطاعَهُ[1]

إن اعتبار الشیعي لا یکون باسمه وعنوانه فقط، بل العنوان بنفسه لا یکون مفیداً للإنسان، وإنما الاعتبار في شخصیة الشیعي بباطنه وعمله و هو التقوى والطاعة.

إن کلمه الشيعي بل وكلمة المسلم علامة تدل المخاطب والسامع علی حقيقة ذي قیمة، و إنسان متقي.

إذا سمع احد شخصاً ما يقول:  هو رجل شیعي أو امرأة شیعیة ینبغی لنا أن لا ننظر إلى اسمه وظاهره فقط، بل لنا أن ننظر إلى مسماه وما یعمله ذلك الشخص، ننظر إلى تقواه فی علنه وخفائه، في انفراده واجتماعه، وفي جمیع حالاته.

فظهر لنا من الحدیث و کلمه الإمام الباقر g، أن الملاك والمعيار في التعرف على الشيعي إنما هو بلزوم التقوى والطاعة في القول والعمل.

طهارة المجتمع الإنساني وعفافه تابع لاهتمام الشباب بالزواج:

ان العفة والطهارة من أهم الاسباب والعلل في نیل السعادة والفلاح في الدنیا والآخرة، و لذلك ورد عن علي g: أفضل العبادة العفاف.

و قال الإمام الباقر g في رواية: ما عبد الله بشيء أفضل من عفة بطن وفرج.

إن الطهارة والعفة توصل الانسان إلی المقامات الرفیعة فب الدنیا والآخرة.

و لاریب  أن أتباع اهل البیت % هم أولی بالمراقبه والمواظبة بالعفة والطهارة، وفي ذلك قال الامام الصادق g علی ما روی عنه المفضل:

إنما شیعة جعفر من عفَّ بطنه وفرجه و اشتدَّ جهاده و عمله لخالقه و رجاء ثوابه و خاف عقابه فإذا رأيت أولئك فأولئك شیعة جعفر.

أیها الإخوة و الأخوات :

ولا ریب أن هناك أسباباً ووسائل لتحصیل العفة والطهارة في المجتمعات الإنسانیة، ومن أهمها وأكثرها تأثیراً، الاهتمام بالتزویج خصوصا الشباب.

فیا أیها المومنون والمؤمنات من الشباب!

فعلیکم بتحصیل الطهاره والعفة بالاهتمام بتحصیل أسبابها ، فإنها سبب التقرب إلى الله تعالی، بل هي نفس التقرب إلی الله.

اعلموا أيها المؤمنون وخصوصاً المؤمنات!

إن أحوج ما تحتاج إلیه الأمة الإسلامية الیوم هو التوجه والالتزام بالعفة والطهارة و خصوصاً في الشباب من الذکور والإناث، فإنها في خطر عظیم من الغزو الثقافي من ناحیة الأعداء والاستکبار العالمي.

وقد تأثر شبابنا بالغزو الثقافي ، وحرصنا عليهم يلزمنا أن نقول لهم: أنتم الیوم مع اخوانکم  في خطر الابتعاد عن الطهارة في الأخلاق والعمل.

فعلیکم بالتزویج فی موعده.

ونقول للآباء والأمهات: انتم  أيضاً مسؤولون في هذا الأمر العظیم عن شبابنا وعليكم الاهتمام بتزویجهم وتحصیل الطهارة لهم.

وفي ذلك يقول الله تعالی: (یا أیها الذین امنوا قوا أنفسكم وأهلیكم نارا وقودها الناس والحجارة)

وواضح ان الاهتمام بتزویج الأولاد و الشباب من أهم الوسائل فی وقاية الأهل و الأولاد من نار جهنم.

وقد وردت في هذا المجال روایات كثيرة ومتنوعة ترغب في النكاح والتزویج واستحبابه في الكتب.

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ g قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ 9مَا بُنِيَ بِنَاءٌ فِي الإسلام أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ التَّزْوِيجِ[2].

و معلوم أن البناء المحبوب إلى الله تعالی لا یکون إلا بناء طاهرا وعفیفا.

و فی حدیث آخر قال رسول الله: من كان له ما يتزوج و لم يتزوج فليس منا

أيها الإخوة الأعزاء والأخوات الكريمات:

إن الزواج أكثر تأثیراً في تحصیل العفة والطهارة قد جعل الله تعالی فضلاً و ثواباً مضاعفاً لعباده المتزوجين علی عباده العزاب.

عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع):  رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا الْمُتَزَوِّجُ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً يُصَلِّيهَا عزَبُ[3]. و زاد فی حدیث آخر

وَقَالَ قَالَ النَّبِيُّ 9:  رَكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ عَزَبٍ يَقُومُ لَيْلَهُ وَيَصُومُ نَهَارَهُ .

وهنا يمكن أن يتبادر للذهن هذا السؤال وهو: لأي شيء و لأي سبب جعل الله تعالی ثوابا مضاعفاً لصلاة المتزوج وعبادته، و ما هي خصوصیة ذلك؟

و نجیب عن هذا السؤال:

بأن التزویج والنكاح یوجب الطهارة النفسیة والفكرية والذهنیة والاجتماعیة بأجمعها، أي أن من تزوج وزوجته عنده لیلاً ونهاراً ، وعاش معها عیشاً هنیئاً، تحصل لنفسه حالة  السكينة والاطمئنان، ولهذا فالعبادة مع الطهارة والسكينة والاطمئنان أفضل من عبادة العزب الذي لا یصدر عنه شيء إلا مع الاضطراب و عدم السكينة.

اسال الله تعالی فی کل زمان و مکان ان یوفقنا لتحصیل الطهاره.


 

صلاة الجمعة: 16 ذو القعدة  1437 هـ

(2)

عباد الله! أجدد لنفسي و لکم الوصية بتقوى الله، فإنها خیر الأمور وأفضلها.

أيها الإخوة و الأخوات:

إن الدنیا مزرعة، ومن كان فی مزرعة فلا بد له من الزراعة في المزرعة وإلا لا یکون زارعا ولا یکون في مزرعة بل يكون في أرض خالیة.

ومن كان في مزرعة فهو زارع للخیر أو زارع للشر.

والمتقي في الدنیا يزرع الخیر و غیر المتقي لا یزرع إلا الشر، و بالتبع من یزرع خیراً يحصد خیراً و من زرع شراً حصد شراً.

قال الإمام  العسكري g: مَن يَزرَع خَيرا يَحصُد غِبطَةً و مَن يَزرَع شَرّا يَحصُد نَدامَةً.

عدم الاهتمام بالزواج موجب لتأسيس أخوه مع الشیطان

أيها الأخوة والأخوات:

إن الزواج والنكاح خیر زرع يزرعه المؤمن الشاب، والعزوبة وترك الزواج شر زرع يزرعه، وهو موجب لتأسيس الأخوة مع الشیطان، ومن كان أخاً للشیطان لا یحصد فی الدنیا و الآخرة إلا ما حصده الشیطان من الطرد و الخروج من رحمة الله تعالی والوقوع في اللعنة والعذاب.

الشيخ أبو الفتوح الرازي في تفسيره عن عكاف بن وداعة  الهلالي قال أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لي يا عكاف ، ألك زوجة ؟ قلت لا .

قال ألك جارية ؟ قلت لا .

قال وأنت صحيح موسر ؟ قلت نعم . والحمد لله .

قال فإنك إذا من إخوان الشياطين ، أما أن تكون من رهبان النصارى وأما أن تصنع كما يصنع المسلمون ، وأن من سنتنا النكاح شراركم عزابكم وأراذل موتاكم عزابكم.

( إلى أن قال ) ويحك يا عكاف تزوج ، تزوج ، فإنك من الخاطئين.

قلت يا رسول الله زوجني قبل أن أقوم.

فقال صلى الله عليه وآله زوجتك كريمة بنت كلثوم الحميري[4].

و زاد فی ذیل حدیث آخر

فانك إذاً من إخوان الشياطين شراركم عزابكم و إن أرذل موتاكم عزابكم إن المتزوجين هم المتبرئون من الخناس والذي نفسي بيده ما للشيطان سلاح ابلغ في العالمين من الرجال والنساء من ترك النساء[5].

أيها الإخوة والأخوات :

مفاد هذه الأحاديث علی ما ذکرناه، ترغیب المسلم خصوصاً المسلم الشاب بالزواج لتحصیل الطهارة فی النفس و المجتمع.

لان الشاب المتزوج إذا تزوج فقد جعل دینه فی حصن حصین لا یقدر الشیطان علی تصرفه بسهوله و أما الأعزب فالشیطان قادر بسهوله علی اخذ دینه و أخلاقه و طهارته و عفته.

و فی ذلك قال رسول الله 9:

من تزوج أحرز نصف دينه وفي حديث آخر فليتق الله في النصف الآخر أو الباقي[6].

يضاف إلى ذلك: إن النبي قد وعد المتزوجین القاصدين من الزواج تحصیل الطهارة والعفة معونتهم من رب العالمین.

قال رسول الله: ثلاثة حق على الله عونهم ، المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء  والناكح الذي يريد العفاف[7].

وفی حدیث آخر قال النبی: تزوج تزد عفة إلى عفتك…[8]

 و في آخر : من تزوج أمراة لم يرد بها إلا أن يغض بصره ويحصن فرجه أو يصل رحمه بارك الله له فيها و بارك لها فيه.

تأثير الزواج فی زيادة الرزق

عَنِ ابْنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي (ع) فَقَالَ لَهُ:  هَلْ لَكَ مِنْ زَوْجَةٍ؟  قَالَ: لَا. 

فَقَالَ أَبِي:  مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ إِنِّي بِتُّ لَيْلَةً وَلَيْسَتْ لِي زَوْجَةٌ.

ثُمَّ قَالَ:  الرَّكْعَتَانِ يُصَلِّيهِمَا رَجُلٌ مُتَزَوِّجٌ أَفْضَلُ مِنْ رَجُلٍ أَعْزَبَ يَقُومُ لَيْلَهُ وَ يَصُومُ نَهَارَهُ ثُمَّ أَعْطَاهُ أَبِي سَبْعَةَ دَنَانِيرَ ثُمَّ قَالَ تَزَوَّجْ بِهَذِهِ ثُمَّ قَالَ أَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص اتَّخِذُوا الْأَهْلَ فَإِنَّهُ أَرْزَقُ لَكُمْ[9] .

إن معنی العبارة في ذیل الحدیث، (فانه ارزق لکم) أن التزویج یوثر فی زيادة الرزق.

و لکن مع الأسف فی زماننا بعض إخواننا من یقولون مثلا: نحن نعیش فی أيام حرب وأزمة و لا نقدر علی مخارج ومصاريف أنفسنا فکیف نقدر علی معيشة أهلنا وعائلتنا ؟!

وهذا كلام باطل في العقیدة وباطل في التجربة.

أما بحسب العقيدة فنحن اعتقادنا بما جاء فی القرآن الکریم:

وَ أَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنكُمْ وَ الصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَ إِمَآلِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ‏ وَ اللَّهُ وَا سِعٌ عَلِيمٌ ) النور:32/24)

و أما بحسب التجربة فهو أيضاً ثابت ومعلوم حيث إن أكثر الذين تزوجوا وما كانوا أغنياء تبدل حالهم بعد الزواج وبسبب سعیهم في الأمور الاجتماعية و الاقتصادية إلى الغنى بحسب جهدهم وسعیهم.

فالزواج ليس فقط لا یکون مانعا من تحصیل المال بل الزواج من أسباب العناية الإلهية في الأمور الاقتصادية والرخاء في العيش.

ترك الزواج مخافة العَيلة سوء الظن بالله

ذكرنا آنفاً أن بعض المؤمنین یقولون إننا لا نقدر علی تحمل أعباء المعيشة لأنفسنا، ولأننا فقراء فلا نتزوج فهو أسهل في العيش.

و لکن هذا السلوك والاعتقاد يتعارض مع الدين الإسلامي، لأن الأحاديث والروایات تنهانا عن مثل هذا القول والعمل فقد جاء في الحديث :

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ ع قَالَ وَ قَالَ النَّبِيُّ ص : مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ طَاهِراً مُطَهَّراً فَلْيَلْقَهُ بِزَوْجَةٍ وَ مَنْ تَرَكَ التَّزْوِيجَ مَخَافَةَ الْعَيْلَةِ فَقَدْ أَسَاءَ الظَّنَّ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ[10].

اللهم اغفر لنا، و لوالدینا و لمن له حق علینا.

[1]تحف العقول، ص 295

[2] – وسایل الشیعه: کتاب النکاح، ابواب مقدمات، باب 1 ح 4.

[3] – وسایل الشیعه: کتاب النکاح، ابواب مقدمات، باب 2 ح 1 و 2.

[4] – جامع أحاديث الشيعة – السيد البروجردي – ج 20 – ص 18

[5] – مستدرك الوسائل  ج 14  ص 155 ح 16359 .

[6] – الكافي: 5/328.

[7] – كنز العمال ج 3  ص 416.

[8] – كنز العمال ج 16 ص 302.

[9] – وسائل الشيعة: کتاب النكاح، أبواب مقدمات النكاح، باب 2 ح 4.

[10] – وسایل الشیعه: کتاب النکاح، ابواب مقدمات، باب 10 ح 4.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.