خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 7 رمضان 1438 هـ

7 رمضان 1438هـ

الهدف الأصلي من تشريع الصيام

 قال رسول اللَّه   صلى الله عليه وآله وسلم  في وصِيَّته لأبي ذرٍّ>رضي الله عنه<:>لاَ يَكُوْنُ الرَّجُلُ مِنَ المُتَّقِيْنَ حَتَّىْ يُحَاسِبَ نَفْسَهُ أَشَدَّ مِنْ مُحًاسَبَةِ الشَّرِيْكِ لِشَرِيْكِهِ، فَيَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمَهُ، وَمِنْ أَيْنَ مَشْرَبَهُ، وَمِنْ أَيْنَ مَلْبَسَهُ، أَمِنْ حِلٍّ ذَلِكَ، أَمْ مِنْ حَرَامٍ <[مكارم الأخلاق:468].

إِنَّ شهر رمضان هو إِحدى النّفحات التي وهبها الله لعباده، وهيَّأ لهم الأسباب للتعرُّض لها والاستفادة منها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:>إِنَّ لِرَبِّكُمْ فيْ أيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٌ أَلاَ فَتَعَرَّضُوْا لَهَا- وَفِيْ رِوَايَةٍ: أَلاَ فَتَرَصَّدُوْا لَهَا <. عوالي اللَّئالي:ج1ص118، ولا ريب في أنَّ التعرض لهذه النفحات الإلهية إَّنما يحصل بسبب الأعمال الصّالحة المختصَّة بهذا الشهر العظيم، ومنها الصوم الذي كتب الله على عباده والذي إذا التزم العبد بشروطه وآدابه، وحفظ جوارحه وغض بصره وأحصن فرجه، وحفظ لسانه وسمعه من الغيبة والنميمة وابتعد عن أذى الناس، ثم ألحَّ على ربِّه بالدعاء… فسوف ينزل الله عليه نفحاته ورحمته في هذا الشهر الكريم، ويهبه ما لم يكن في حسبانه من جزيل الأجر والثواب والكرامة، وقد صرَّح بذلك النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته في آخر جمعة من شعبان، حيث قال:>فَاسْألُوْا اللَّهَ رَبَّكُمْ بِنِيَّاتٍ صَادِقَةٍ، وَقُلُوْبٍ طَاهِرَةٍ، أَنْ يُوَفِّقَكُمْ لِصِيَامِهِ وَتِلاَوَةِ كِتَابِهِ…<، فقد أمرنا النبي الأكرم   صلى الله عليه وآله وسلم بدعائه تعالى كي يوفقنا الله لصيام شهر رمضان حقيقة صيامه، لنحصل على رضوانه ونتعرض لنفحاته ونحظى بقبوله والتقرب منه، ذلك لأنَّ الامتناع من الأكل والشرب ليس بالأمر الصعب الذي ندعو الله أن يوفقنا إليه ويعيننا على إحرازه، وإن كان الدعاء لإحرازه حسناً ومطلوباً، لإطلاق الآية الكريمة{اُدْعُوْنِيْ اَسْتَجِبْ لَكُمْ}، وشمولها إيّاه، ولقوله تعالى في الحديث القدسي- مخاطباً نبيه عيسى عليه السلام ->يَا عِيْسَىْ سَلْنِيْ كُلَّ مَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ حَتَّىْ عَلَفَ شَاتِكَ وَمِلْحَ عَجِيْنِكَ <[وسائل الشيعة: ج7ص32]ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: >فاسألوا اللّه ربكم بنيات صادقة…أن يوفقكم لصيامه وتلاوة كتابه…. وليس المقصود منه الصوم الظاهري أي ترك الأكل والشرب في مُدّةٍ معينةٍ من الفجر إلي حلول المغرب! بل المراد منه هو الصوم الواقعي الذي تُتْرَكُ معه جميع الأعمال السيئة والأفكار المنحرفة الجسدية منها والروحية، فالصوم كما العبادات الأخرى ذو مراتب ودرجاتٍ، أدناها ترك الأكل والشرب، قال صلى الله عليه وآله وسلم: >إِنَّ أَيْسَرَ مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْ الصَّائِمِ فِيْ صِيَامِهِ تَرْكُ الطَّعَامِ <. [بحار الأنوار ج94ص352]وتلك المرتبة من الصوم قد تحصل بلا نتيجةٍ مثمرة، قال صلى الله عليه وآله وسلم:>رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الجُوْعُ وَالعَطَشُ<. بحار الأنوار: ج84ص207<. أمّا أعلى مراتب الصوم فهو ذلك الصوم الحقيقي الذي حكت شرائطه السيدة الزهراء عليها السلام في الحديث، حيث قالت: >مَا يَصْنَعُ الصَّائِمُ بِصِيَامِهِ إِذَا لَمْ يَصُنْ لِسَانَهُ وَسَمْعَهُ وَبَصَرَهُ وَجَوَارِحَهُ!< بحار الأنوار:ج93ص295 ، والذي قال علي أمير المؤمنين عليه السلام بشأنه:>صِيَامُ اللِّسَانِ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ البَطْنِ<. غرر الحكم: ،ح 80<.

وهناك قصة حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواها الإمام الصادق  عليه السلام ، قال:>سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ‘امْرَأَةً تَسُبُّ جَارِيَةً لَهَا وهِيَ صَائِمَةٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِطَعَامٍ، فَقَالَ لَهَا: كُلِي!َقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ !!فَقَالَ: كَيْفَ تَكُونِينَ صَائِمَةً وَقَدْ سَبَبْتِ جَارِيَتَكِ؟! إِنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرابِ< . الكافي،ج4 ص>64<، وفي حديث آخر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم:>مَا مِنْ عَبْدٍ صَالِحٍ يُشْتَمُ فَيَقُولُ إِنِّيْ صَائِمٌ، سَلَامٌ عَلَيْكَ لَا أَشْتِمُكَ كَمَا شَتَمْتَنِي، إِلَّا قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَىْ: اسْتَجَارَ عَبْدِيْ بِالصَّوْمِ مِنْ شَرِّ عَبْدِيْ فَقَدْ أَجَرْتُهُ مِنَ النَّار <ِ.الكافي،ج4 ص > 88فمضافاً إلى صوم جوارحه فإن الصائم الحقيقي هو الذي يرى نفسه في حضرة الرَّب المتعالي فيذكر بصيامه وجوعه وعطشه جوع وعطش يوم القيامة، قال صلى الله عليه وآله وسلم :>وَاذْكُرُوا بِجُوعِكُمْ وَعَطَشِكُمْ فِيهِ جُوعَ‏ يَوْمِ‏ الْقِيَامَةِ وَعَطَشَه‏< [الأمالي للصدوق ص93].

الخطبة الثانية

أيها الإخوة والأخوات ..تطلُ علينا هذه الأيام الذكرى الأليمة والفاجعة العظمى لرحيل أوحد دهره الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني العظيم قدس سره، الذي حقق آمال الأنبياء والأئمة بنجاح ثورته المباركة، ذلك الإمام الذي عجز العالم عن وصف نبوغه ومتانة فكره وسعةِ علمه ومعرفته، إنَّه الشخصية الملكوتية العرفانية الإلهية التي عجز السياسيون عن درك كنه سياسته وعمق نظره وحصافته وحسن قيادته وتدبيره، تلك الصفات التي جعلت من الخميني العظيم بحرًا ذخَّاراً في عطائه المادي والمعنوي والأخلاقي والعلمي والمعرفي بلا منازع، فهو بالإضافة إلى تلك المناقب نجده قد تميَّز بالنبوغ وقوة الإرادة والتوكل على الله، والأنفة والعزَّة قِبال المستكبرين وفراعنة العالم في عصره، وكان  قدس سره متوكلاً على الله تعالى في جميع حركاته، وقد تمكن في نهاية المطاف من هزيمة الشاه وإرساء دعائم ثورته المباركة بسبب صموده وشجاعته واعتماده على الشعب المؤمن الذي أخلص للثورة ومبادئها من أول انطلاقتها وإلى أن رأت النور علي يد الخميني العظيم ورفقاء دربه المؤمنين الذين أخلصوا للثورة الإسلامية وسقوا جذورها بدمائهم الطاهرة وَعَرَقِهِمُ الزَّكي.

ويمكننا تلخيص عوامل نجاح تلك الثورة المباركة وانتصارها إلى الحنكة وحُسن القيادة والسياسة الملتزمة التي اعتمدها الخميني العظيم، تلك السياسة التي كان لها الأثر المباشر في علاج الكثير من مشاكل عالمنا المعاصر والتي ما زال نهجها مستمراً إلى يومنا هذا ببركة القيادة الحكيمة الممثَّلة في الولي الفقيه السيد القائد علي الخامنئي حفظه الله ومن معه من القادة والخبراء والمستشارين.    

أيها الإخوة والأخوات! إن الكثير من دول العالم اليوم، وبعض الدول الإسلامية مبتلاةٌ بِذُلِّ التبعية لقوى الاستعمار والاستكبار بسبب الحكام المستبدين الذين يدينون بالتبعية لتلك القوى على حساب شعوبهم- أعني بذلك الشعوب العربية على وجه الخصوص- التي وقفت سدَّاً منيعاً أمام طغيان هؤلاء الحكام الذين أمعنوا في خيانة شعوبهم وأوطانهم طيلة عقودٍ خلت وما زالوا، ومنها الخضوع الأخير الذي أبداه آل سعود ومَنْ معهُم للرئيس الأمريكي >ترامب< وأفراد عائلته والذين أهداهم آل سعود مليارات الدولارات التي اقتطعوها من أموال الأمة ومُقدَّراتِها، وقد تبين جليَّاً لكل عربيٍّ ومسلمٍ خطأ هذا السلوك المُهِين المُذِلّ لآل سعود بحق شعبهم والأمة الإسلامية جمعاء، وأنَّه لم يعُد ينفعُهم ادِّعاء النِّيابة عن المسلمين وعن العالم الإسلامي التي لم يخوِّلهم بها أحد، وأنّ هذه الخدعة لم تعُد تنطلي على أحدٍ مهما كان بسيطاً، فالجميع بات يعلم كذب ونفاق آل سعود بقتلهم وحصارهم شعبَهُم في العوَّامية والقطيف، وقتلهم وحصارهم وتجويعهم الأبرياء في اليمن، وتآمرهم وبعض حُكَّام الخليج على المسلمين مع قوى الشَّر والعدوان من اليهود والأمريكان أعداء المسلمين والبشر جميعاً، وكيدهم المستمر لِكُلِّ من لا يدين لهم بالذُّل والطاعة؛ وعلى العكس من ذلك فإنَّ قيادة الخميني العظيم قدس سره كانت تمثل العز والفخر لكل المسلمين، وما زالت القيادة في الجمهورية الإسلامية تتَّبع ذات النهج الحكيم لروح الله الخميني قدس سره وقد نال الشعب الإيراني وبعض الشعوب الحرة شرف التتلمذ في مدرسة الخميني العظيم وما زالت الأجيال الحرَّة في أنحاء المعمورة تنهل من نمير هذا الفكر الصافي العذب معاني الحُرِّية والإباء والعِزَّة والصُّمود في وجه الاستكبار وأذنابه.

إنَّ شخصيَّة الإمام الخميني حقيقةً لم يتمكن أحدٌ إلى الآن من إدراك كنهها والغوص في أعماقها، وإنه كلما ادَّعى أحدٌ درْكَ كُنْهِ تلك الشخصية الإلهية أدرك أنَّه لا يعرف إلاَّ القليل عنها، وإنَّني أعتقد جازماً أنَّهُ لا يعرف الخمينيّ إلاَّ الخميني نفسُهُ ومَنْ كان قريباً منه وغاص في أعماق شخصه المقدس، أمَّا نحن فما زلنا واقفين على ضِفاف تلك الشخصية المقدسة لَعَلَّه يُصِيْبُنا سَيْبٌ أو نفحةٌ من قطراته؛ فهو رضوان الله عليه شخصيةً تجسَّدت فيها كلَّ معاني الإسلام وقيمه، فهو بسلوكه المتوازن المستمد من روح الإسلام وقيمه قد أجبر أعداءه جميعاً على تعظيمه واحترامه, والدليل على ذلك قول الرئيس الأمريكي الأسبق >كارتر< بعد رحيل روح الله الخميني قدس سره: >لو تسمح لي إيران بالدخول إلى أراضيها حتى أضع وردة حمراء على قبر الخميني<!!، وذلك إنْ دلَّ على شيء إنَّما يَدُلُّ على عظمة قدسية شخصية الخميني وعظمتها حتىَّ بين أعدائه!، فهوقدس سره عندما كان في فرنسا في مدينة >نوفل لوشاتو< كان الكثير من أهل هذه المدينة من المسيحيين قد تأثروا بشخصيَّته العظيمة حتى إنّهم كانوا يعتقدون بأنَّه المسيح أو أنَّ شخص المسيح قد تمثَّل في شخصه؛ وإنني وانطلاقاً من هذه السيرة المختصرة لِلخُمَينيِّ العظيم أرى أنَّه بات لزاماً علينا الاستفادة من نهجهِ وفكرهِ لإصلاح المجتمع البشري وإنقاذه مِمَّا هو مُبْتَلَىً به من مشاكلَ وأزماتٍ استعصى على سياسيي العالم حلُّها.

أمَّا الشأن الثاني الذي أودّ الحديث عنه فهو ضرورة مواساة إخوتنا المحرومين في هذا الشهر الكريم بما تجود به أيدينا وأنفسنا أسوة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل بيته الكرام عليهم السلام، كما أودُّ التنبيه إلى أنّ العبادة من صيامٍ واستغفارٍ ودعاءٍ وابتهالٍ لا تكفي لوحدها -وإن كان شهر رمضان هو شهر الدعاء والعبادة والاستغفار إن لم نتذكر إخوتنا الضعفاء والفقراء والمحتاجين ونحسن إليهم  بتفقُّدهم وإطعامهم وإعانتهم فيما يحتاجون خصوصاً في هذا الظرف الحساس الذي فرض فيه الحصار والتهجير والقتل والتنكيل والظلم على الكثيرين من أبناء هذا الشعب الأبي الصَّامد؛ فعلى الجميع أن يقوم بواجبه حيال إخوته الذين اضطرهم التهجير إلى ترك بلداتهم وقراهم ومدنهم لا يحملون معهم سوى ما تجلببوا به من ملابس وبعضاً من الأمتعة الخفيفة التي لا تقيم لهم أوَداً ولا تدفع عنهم حاجةً اقتداءً بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: >مَنْ أَصْبَحَ لَا يَهْتَمُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ، وَمَنْ سَمِعَ رَجُلًا يُنَادِي يَا لَلْمُسْلِمِينَ فَلَمْ يُجِبْهُ فَلَيْسَ بِمُسْلِم<‏ [الكافي:ج2ص164].وإنني أوجِّه هذا الخطاب وأناشد كل من هو في سورية -مقيماً كان أو زائراً- وعاش هذه الأزمة أو سمع بها وله فضل زادٍ يعود به على إخوته في الدين والإنسانية والوطن.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*