خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 14 رمضان 1438 هـ

خطبة الجمعة

14رمضان1438هــ

قبسُ من حياة الإمام المجتبى

 

أيها الإخوة والأخوات أحييكم بتحية الإسلام الخالدة وأبارك لكم ولصاحبة هذا المقام الشريف الحوراء زينب عليها السلام ولإمامنا المنتظر المهدي عليه السلام ولادة الإمام الهمام صاحب المقام الرفيع والذِّكر البديع الحسن بن علي المجتبى عليهم السلام ، واحتفاءً بصاحب هذه الذكرى الميمونة العطرة نستأنس بِبعْضِ ما وصف به الإمام عليه السلام التقوى والمتقين.

قال إمامنا وسيدنا المجتبى عليه السلام في حديثٍ له:> التَّقْوَى بَابُ كُلِّ تَوْبَةٍ، وَرَأسُ كُّلِّ حِكْمَةٍ، وَشَرَفُ كُلِّ عَمَلٍ، بِالتَّقْوَى فَازَ مَنْ فَازَ مِنَ المُتَّقِيْنَ<.

هو أول مولود يولد في بيت علي وفاطمة عليهم السلام، وهو كذلك أول سبط لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وأول مولود سماه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بإذن من الله تعالى؛ فقد روي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنه قال: >لمّا ولدت فاطمة الحسن عليهما السلام قال لعلي سمِّه فقال: ما كنت لأسبق باسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأُخرِج إليه في خرقة صفراء فقال ألم أنهكم أن تلفُّوه في خرقةٍ صفراء، ثمّ رماها وأخذ خِرقةً بيضاء ولفَّه بها، ثم قال لعليٍّ عليه السلام : هل سمَّيته؟ فقال عليه السلام: ما كنت لأسبقك باسمه! فقال صلى الله عليه وآله وسلم: وما كنت لأسق باسمه ربي عزَّ وجلَّ، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جبرائيل أنه قد ولد لمحمدٍ ابنٌ فاهبط فأقراه السلام وهنئه وقل له إنّ علياً منك بمنزلة هارون من موسى، فسمِّه باسم ابن هارون، فهبط جبرائيل عليه السلام فهنَّأه من الله عزّ وجلّ! ثمّ قال: إنّ الله تبار ك وتعالى يأمرك أن تسميه باسم ابن هارون، قال صلى الله عليه وآله وسلم: وما اسمه؟ قال: شُبَّر، قال صلى الله عليه وآله وسلم لساني عربي، قال سمِّه الحسن، فسمَّاه الحسن<. سنن الترمذي ج5ص614ح3768 .

وإنّه-أي الحسن عليه السلام هو أوّل مولود لُقِّب بسيِّد شباب أهل الجنة، فقد أخرج الترمذي والحاكم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: >الحسن والحسن سيدا شباب أهل الجنة<.المستدرك على الصحيحين،ج3 ص182 ، وإنه عليه السلام من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد أخرج الترمذي عن أنسٍ، قال: >سُئِل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: أي أهل بيتك أحب إليك، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: الحسن والحسين<سنن الترمذي ج5ص615ح7372، وعن البراء بن مالك قال: >رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والحسن عليه السلام على عاتقه وهو يقول:>اللهم إنِّي أحبه فأحبَّه<صحيح البخاري ج3ص31ح3749، صحيح مسلمج4ص150ح57-59 ، وهو أحدُ ريحانتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله عليه السلام: >الحسن والحسين ريحانتاي من الدنيا< صحيح البخاري ج3ص32ح3753،و ج4ص91ح5994 ؛ وقد أولى النبي عليه السلام حفيده الحسن المجتبى عليه السلام عناية خاصةً، وخصَّه بتربيته حتى غدَا ذَا فضائل متميزة، وشمائل متفردة عُرف على أثرها بالحلم وكثرة السخاء والعفو وحب الإنفاق والزهد وعدم الميل إلى الدنيا، فقد روى المفضل عن جعفر الصادق عن أبيه عن جدِّه عليهم السلام :> عَنْ أَبِيهِ عليه السلام ‏ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام كَانَ أَعْبَدَ النَّاسِ فِي زَمَانِهِ وَ أَزْهَدَهُمْ وَ أَفْضَلَهُمْ وَ كَانَ إِذَا حَجَّ حَجَّ مَاشِياً وَ رُبَّمَا مَشَى حَافِياً وَ كَانَ إِذَا ذَكَرَ الْمَوْتَ بَكَى وَإِذَا ذَكَرَ الْقَبْرَ بَكَى وَ إِذَا ذَكَرَ الْبَعْثَ وَ النُّشُورَ بَكَى وَ إِذَا ذَكَرَ الْمَمَرَّ عَلَى الصِّرَاطِ بَكَى وَ إِذَا ذَكَرَ الْعَرْضَ‏ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى‏ ذِكْرُهُ‏ شَهَقَ‏ شَهْقَةً يُغْشَى عَلَيْهِ مِنْهَا وَ كَانَ إِذَا قَامَ فِي صَلَاتِهِ تَرْتَعِدُ فَرَائِصُهُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَانَ إِذَا ذَكَرَ الْجَنَّةَ وَ النَّارَ اضْطَرَبَ اضْطِرَابَ السَّلِيمِ [الملدوغ] وَ يَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ وَ يَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ وَ كَانَ ع لَا يَقْرَأُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَّا قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ وَ لَمْ يُرَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ إِلَّا ذَاكِراً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَ كَانَ أَصْدَقَ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَفْصَحَهُمْ مَنْطِقاً< [الأمالي للصدوق،ص150،بحار الأنوار،ج3ص331 ]؛ ولو مررنا على مشاهد الكرم والسخاء في حياة الإمام الحسن عليه السلام لشهدنا التنوع والتكامل في سلوكه عليه السلام ، فهو تارةً يبادر بالعطاء من دون سؤال، وأخرى يضاعف الجزاء أضعافاً لمن صنع معه معروفاً، ومنها أنّه يأبى أن يرى ذلّ السؤال في صاحب المسألة لئلا يراق ماء وجهه في حضرته فيبادر إلى دفع العطاء من غير مشافهة، وهذا درسٌ للمؤمنين من الإمام عليه السلام إذا قصدوا العطاء بأن يحفظوا كرامة السائل لئلا يراق ماء وجهه مقابل العطاء، وأما العجب كل العجب فهو في اقتسام الإمام عليه السلام جميع أمواله مع الفقراء، وهذا الأسلوب من المناصفة مع الله تعالى قد تكرر منه عليه السلام ثلاث مرات حيث كان يقسم جميع ما يملك مناصفة، فيقدم للفقراء والمحتاجين نصف ما يملكه، وفي ذلك روى زيد بن جذعان قال: >خرج الحسن بن علي عليهم السلام من ماله مرتين، وقاسَمَ الله تعالى ثلاث مرات حتى إنه لكان يعطي نعلاً ويمسك نعلاً، ويعطي خفّاً ويمسك خفّاً< سير أعلام النبلاء،ج3ص178طبعة مصر.         

الخطبة الثانية

إحياء ليالي القدر وأعمالها الخاصة

وفيها كلام حول عدة أمور:

الأمر الأول: هي ليلة القدر وهي أهم ما في شهر رمضان، وهي ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، وقد جاء في بعض الأخبار بأنها خيرٌ من جهاد ألف شهر، وعبادتها خيرٌ من عبادة ألف شهرٍ، وبالجملة فهي ليلةٌ شريفةٌ عظيمةٌ تُقَدَّر فيها أرزاق العباد وآجالهم، وفيها نزل القرآن, وهي ليلةٌ مباركةٌ على المسلم أن يجتهد فيها بالصَّلاة والعبادة والدعاء والتضرع إليه تعالى لِيُكتَبَ من المقرّبين ويرضى عنه أئمته الأطهار لا سيّما إمام زمانه عليه السلام ، وعلى المؤمن في تلك الليالي المباركة المشهودة أن يكون حاضر الذهن، متوجهاً بقلبه وجوارحه إلى الله، طالباً منه التوفيق إلى العبادة، مُلِحَّاً في الدعاء لنفسه ولأهله وللمؤمنين، وعليه إن كان قاطعاً لرحمه أن يصلها في هذا الشهر ويتوب إلى الله ليغفر له، وإن كان عاقاً لوالديه، أو في قلبه عداوةٌ لأخيه المؤمن فعليه أن يطلب السماح منهم جميعاً ويبادر إلى مودَّتهم والإحسان إليهم كي يُقبَلَ دُعاؤه وتُقضى حوائجه، هذا أوَّلاً.

وأمّا الأمر الثاني: فهما الاعتداءان الإرهابيان اللَّذان وقعا الأربعاء الماضي واستهدفا مرقد الإمام الخميني قدس سره، ومجلس الشورى الإسلامي، واستشهد وجرح على أثرهما عدد من الأبرياء من أبناء هذا الشعب المؤمن البطل الصابر الذي لاقى العداوة والإرهاب المستمرين من الأعداء مُذْ بزوغ فجر الثورة الإسلامية وإلى الآن، وهذه الأحداث ليست  بجديدة على هذا الشعب الصابر المحتسب، الذي استشهد منه ما يزيد على السبعة عشر ألفاً منذ بداية انطلاق الثورة الإسلامية المباركة التي كتب لها النصر ببركة هذه الدماء الزكية الطاهرة؛ إنَّ هذين الهجومين اللذين حصلا في طهران لا ينفصلان عن نظيريهما في مانشستر ولندن وعن تطورات المنطقة والأزمة الحاصلة بين قطر وجاراتها السعودية والإمارات ومصر والبحرين، ولا نبالغ إذا قلنا أنّ ثمة ترابطاً وثيقاً بين الحادثتين وتهديدات محمد بن سلمان ووزير خارجية آل سعود بنقلهما المعركة إلى قلب طهران، وإنّ هذا الترابط ستكشف خيوطه حتماً في المستقبل القريب وسيعرف عاجلاً أو آجلاً من دبَّره وكان وراءه.

والأمر الثالث: إن هذين الاعتداءين قد وقعا في ظروف بالغة تشهد فيها المنطقة تراجعاً ملموساً للجماعات الإرهابية في العراق وسورية بعد أن منيت بهزائم متتالية في مختلف الجبهات على يد القوات المسلحة السورية والعراقية والقوات الأمنية والحشد الشعبي وحلفائهم من المقاومة الباسلة، تلك العلاقات التي بدأت تترسَّخ  بين هذه البلدان وشعوبها وستترسخ أكثر في المستقبل القريب من أجل هزيمة الإرهاب وداعميه.

الأمر الرابع: أنّ الاعتداءين قد وقعا بعد مدّة وجيزة من زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسعودية وعقدِه مؤتمراً – بحضور حلفاء أمريكا  >رؤساء عرب وغير عرب<- عنوانه محاربة الإرهاب! وأهدافه الرئيسة هي ممارسة مزيد من الضغوط على الجمهورية الإسلامية التي تُعد قطباً فاعلاً وحقيقياً في مكافحة الإرهاب؛ تلك الاعتداءات التي وصفها  القائد الخامنئي دام ظله بأنها أصغر من أن تؤثر في عزيمة وإرادة الشعب الإيراني المؤمن البطل، وهي دليلٌ على العداء المستحكم الذي يُكنّه الاستكبار وعملاؤه للشعب الإيراني وثورته ونظامه الإسلامي وقيادته الحكيمة، تلك الجرائم التي لن تؤدي إلاّ إلى تكريس الكراهية للإدارة الأمريكية وعملائها في المنطقة في نفوس الأحرار من شعوب المنطقة. وإنّ الجرائم التي ترتكب في اليمن وباقي دول المنطقة  لأوضح دليل على فشل سياسات آل سعود ومن يؤيدهم في سياساتهم الرعناء؛ إنّ هؤلاء يعلمون جيداً أن الشعب الإيراني وسائر الشعوب الحرة والمقاومة بأن إيران والعراق وسورية ستكون مقبرة الإرهابيين المرتزقة الذين أرسلتهم أمريكا والصهاينة وعملاؤهما من أجل زعزعة أمن المنطقة واستقرارها, إنّ الجمهورية الإسلامية الإيرانية وسورية والعراق اليوم في جبهة واحدة وخندق واحد في وجه الإرهاب، وإنهم أقوى وأكثر جهوزية أكثر من أي وقتٍ مضى، ومن المؤكد أيضاً أنّ العلاقات الأخوية الوثيقة بين هذه الشعوب في تلك الدول ستترسخ أكثر وستكون أوثق وأمتن من السابق أضعاف المرَّات وأن ما يحلم به الأعداء بتمزيق المنطقة وإلقاء العداوة والبغضاء والطائفية بين شعوبها لهو بعيد المنال وسوف لن يحصل أبدأً؛ وليعلم الإرهابيون الذين ارتكبوا الجريمة البشعة في طهران بأنّ الجمهورية الإسلامية وإن كانت لا ترغب في توسيع دائرة المواجهة إلا إنّ الخيارات أمامها واسعة ومتعددة وإنّ ردَّها سوف يكون مزلزلاً ومدمراً يتناسب وحجم الجريمة البشعة المرتكبة بحق الشعب الإيراني المؤمن وبحق الآمنين الأبرياء.                    

               

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*