خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 21 رمضان 1438 هـ

خطبة الجمعة

21 رمضان 1438هـ 

قال فيما قال علي أمير المؤمنين عليه السلام في وصيته قبل شهادته:   

{…وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعانوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب}.

 وقفة مختصرة عند وصية أمير المؤمنين عليه السلام قبل شهادته:

إنّ الوصية من الأمور المهمّة في الشريعة، وهي واجبةٌ علي كلِّ مسلمٍ ومؤمنٍ في حياته وقبل موته؛ فالواجب على المؤمن قبل موته أن يوصي بكل ما يتعلق بشأنه وبغيره لأولاده وأقربائه أمّا علي أمير المؤمنين عليه السلام فهو كسائر المسلمين قد اهتم في حياته بهذا الواجب وأوصى بكلِّ ما أراد أن يوصي به، وقد روى الصَّدوق عن سليم بن قيس الهلالي قال: > عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ‏ شَهِدْتُ‏ وَصِيَّةَ عَلِيِ‏ بْنِ‏ أَبِي‏ طَالِبٍ‏ ع حِينَ أَوْصَى إِلَى ابْنِهِ الْحَسَنِ وَ أَشْهَدَ عَلَى وَصِيَّتِهِ الْحُسَيْنَ وَ مُحَمَّداً وَ جَمِيعَ وُلْدِهِ وَ رُؤَسَاءَ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ شِيعَتِه‏، ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ أَوْصَى أَنَّهُ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ‏ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ‏ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ‏ عَلَى الدِّينِ‏ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون< [ من لا يحضره الفقيه،ج‏4،ص:188] فهو عليه السلام قد استهلَّ وصيته بالإقرار بالتوحيد ورسالة الأنبياء عليهم السلام، وخُصُوصًا رسالة النبي الأعظم عليهما السلام، وهذه المقدمة تحكي لنا أنَّ إظهار التوحيد ونشر هذه الحقيقة منضماً إليها النبَّوة هي شعارٌ وتكليفٌ لكل مؤمن ومؤمنة ولو كان هذا المؤمن هو أمير المؤمنين عليه السلام ، لذلك فإننا نجده عليه السلام قد اهتم بنشر هذه الحقيقة في بداية وصيته وقام بإظهارها. وتابع وصيته عليه السلام قائلاً: أُوصِيكُمَا بِتَقْوَى اَللَّهِ وَأَلاَّ تَبْغِيَا اَلدُّنْيَا وَإِنْ بَغَتْكُمَا وَلاَ تَأْسَفَا عَلَى شيءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا وَقُولاَ بِالْحَقِّ وَاِعْمَلاَ لِلْأَجْرِ وَكُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنا، أوصيكما وجميع ولدي وأهل بيتي، ومن بلغهم كتابي هذا من المؤمنين بتقوى الله ربكم ولا تموتُنَّ إلاَّ وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرَّقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم< فهو  عليه السلام في هذا الشِّق من وصيَّته قد أوصى أولاً بتقوى الله عزَّ وجلّ وببعض القضايا الاجتماعية والأخلاقية والتربوية، ومن هذه الوصايا: عدم الاقبال على الدنيا، والالتزام بقول الحقِّ و بيانه ومخاصمة الظالم وإعانة المظلوم، والعمل على تحقيق الألفة والأُنس والمودَّة وتأليف القلوب واجتناب الفرقة والخصومة، وهي جميعاً من القضايا الاجتماعية المهمة في حياة المجتمع الإسلامي ومن العوامل الأساسية في إسعاد البشر وتهذيب سلوكهم ومعاملتهم فيما بينهم: >كُونَا لِلظَّالِمِ خَصْماً وَلِلْمَظْلُومِ عَوْنا..< [نهج البلاغة: ص421]، وتلك الوصية المباركة هي توجيه لنا منه عليه السلام بأن نكون حذرين على الدوام من الظلمة وما يحملونه من أفكار هدّامة وسلوكيات منحرفة، وهو تحذيرٌ منه عليه السلام بأن لا نعذرهم في ظلمهم للغير ولو كانوا من أقربائنا أو المقربين مِنَّا، وأن لا نُبرِّر لهم ما ارتكبوه من الظلم الأفعال القبيحة بحالٍ، ونستوحي من هذه الخطبة الشريفة عدَّة أمور منها: عدم الاعتراف -كأمّة مسلمة- بالاستكبار العالمي وهيمنته وعدم الاعتراف بالكيان الصهيوني ولو اعترف العالم كله بشرعيته، لأن الله لا يعترف بهؤلاء لأنَّهم أشدّ عداوة للذين آمنوا، ولنقضهم عهد الله من بعد ميثاقه، وقتلهم الأنبياء بغير حقٍ.

ومما جاء في وصيته عليه السلام :>..أوصِيكُمَا وَجَمِيعَ وَلَدِي وَأَهْلِي وَمَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اَللَّهِ وََنظْمِ أَمْرِكُمْ وَصَلاَحِ ذَاتِ بَيْنِكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ جَدَّكُمَا   عليهما السلام َقُولُ: صَلاَحُ ذَاتِ اَلْبَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ عَامَّةِ اَلصَّلاَةِ وَاَلصِّيَام ِوإن البغضة حالقة الدِّين ولا قوة إلا بالله، انظروا ذوي أرحامكم فصلوهم يُهَوِّن الله عليكم الحساب <[نهج البلاغة: ص421]،  ولا ريب في أنَّ صلاح ذات البين يوجب الأُلفة والأُنس والمحبة بين الناس ويقلل الاختلاف وشتات الأمر، ويقوِّي دعائم الأسرة،.. وهي من جملة ما اهتم به عليه السلام وأوصى به في حياته وقبيل  شهادته.

الخطبة الثانية

في تكملة ما جاء في خطبته  عليه السلام قبل شهادته:> اَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْأَيْتَامِ! فَلاَ تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ وَلاَ يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ فإني سمعت رسول الله    عليهما السلام يقول: من عال يتيماً حتى يستغني أوجب الله له الجنة كما أوجب لآكل مال اليتيم النار! وَاَللَّهَ اَللَّهَ فِي اَلْقُرْآنِ لاَ يَسْبِقُكُمْ بِالْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ…< [نهج البلاغة: ص421].

ومما يدعو للأسف أنّ غيرنا قد سبقنا بالعمل بالقرآن الكريم ونحن لم نخطُ خُطوةً إلى التَّدبر في القرآن والعمل به في حياتنا ومجتمعنا! فنحنُ في ليالي القدر نرفع المصاحف ونجعلها على رؤوسنا ونقسم على الله بحقِّ القرآن وندعوه ونلحَّ عليه تعالى في الدعاء، لكنَّنا في نهار اليوم التالي نترك أحكامه المحكمة وننسى ما دعونا به في الليلة الماضية! فالقرآن مثلاً يأمرنا بإتيان الواجبات ويأمرنا بالتزام الحلال واجتناب الحرام وعدم أكل أموال الناس بالباطل، ولكننا نتغافل عن ذلك ولا نهتم به، بل ربما فعلنا العكس فترانا أحياناً نترك الحلال ونقرب الحرام ونغتصب مال الغير فنستخدمه أو نبيعه أو نشتريه مع علمنا بأنه مغصوبٌ وحرامٌ! كذلك فإنَّ القرآن يأمرنا أن نلتزم الحلال والحرام بوجهٍ خاصٍّ في تربية أولادنا وبناتنا فنأمرهم بالتزام العفة والحجاب وبعدم الاختلاط المحرَّم في الأماكن العامة خصوصاً في المقام والصَّحن الشريف لسيدتنا زينب الحوراء عليها السلام حيث باتت تعقد إلى جواره اللِّقاءاتٌ المحرَّمة وغيرُ المحتشمة بين الشباب والفتيات مع انشغال الآباء والأمَّهات بالدُّعاء ورفع المصاحف وذلك مخالفٌ لوصية أمير المؤمنين عليه السلام التي أوصى بها المسلمين مراراً وفي مناسبات عِدَّة، وما زال يوصينا بها حتى وهو على فراش الموت قبل شهادته! أمَّا وصيته بالجيران فقد قال عليه السلام بحقِّهم.. وَاَللَّهَ اَللَّهَ فِي جِيرَانِكُمْ فَإِنَّهُمْ وَصِيَّةُ نَبِيِّكُمْ مَا زَالَ يُوصِي بِهِمْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُمْ <. وواضحٌ أنه عليه السلام قد بيَّن في وصيَّته عظمة حق الجارِ  لِمَا لهُ من مكانةٍ في الإسلام لم يحظ بمثلها في الأديان الأخرى، وذلك انطلاقاً من أهمية التعارف والتعاون بين الإنسان وأخيه الإنسان والَّذي لم يحصر الإسلام حقوقه في حدود الوحدة الدينية بل تعدّاها  سعةً وشمولاً حتى كاد أن يجعله وريثاً لِجَارِه حرصاً من الإسلام على إصلاح المجتمع الانساني وتوثيق الأواصر بين أبنائه.

وقال في تَتِمَّةِ وصِيَّته عليه السلام: ..>اللَّهَ‏ اللَّهَ‏ فِي‏ بَيْتِ‏ رَبِّكُمْ‏ فَلَا يَخْلُو مِنْكُمْ مَا بَقِيتُمْ فَإِنَّهُ إِنْ تُرِكَ لَمْ تُنَاظَرُوا وَ أَدْنَى مَا يَرْجِعُ بِهِ مَنْ أَمَّهُ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ اللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا خَيْرُ الْعَمَلِ وَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ اللَّهَ اللَّهَ فِي الزَّكَاةِ فَإِنَّهَا تُطْفِئُ غَضَبَ رَبِّكُمْ اللَّهَ اللَّهَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّ صِيَامَهُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ فَشَارِكُوهُمْ فِي مَعَايِشِكُمْ اللَّهَ اللَّهَ فِي الْجِهَادِ بِأَمْوَالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ وَ أَلْسِنَتِكُمْ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ رَجُلَانِ إِمَامٌ هُدًى أَوْ مُطِيعٌ لَهُ مُقْتَدٍ بِهُدَاهُ اللَّهَ اللَّهَ فِي ذُرِّيَّةِ نَبِيِّكُمْ فَلَا يُظْلَمُنَّ بِحَضْرَتِكُمْ وَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ وَ أَنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَى الدَّفْعِ عَنْهُمْ اللَّهَ اللَّهَ فِي أَصْحَابِ‏ نَبِيِّكُمُ الَّذِينَ لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثاً وَ لَمْ يُؤْوُوا مُحْدِثاً فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَوْصَى بِهِمْ وَ لَعَنَ الْمُحْدِثَ مِنْهُمْ وَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَ الْمُؤْوِيَ لِلْمُحْدِثِ اللَّهَ اللَّهَ فِي النِّسَاءِ وَ فِيمَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَإِنَّ آخِرَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيُّكُمْ ص أَنْ قَالَ أُوصِيكُمْ بِالضَّعِيفَيْنِ النِّسَاءِ وَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ لَا تَخَافُوا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ يَكْفِيكُمُ‏ اللَّهُ مَنْ آذَاكُمْ وَ مَنْ بَغَى عَلَيْكُمْ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً كَمَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا تَتْرُكُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَيُوَلِّيَ اللَّهُ أَمْرَكُمْ شِرَارَكُمْ ثُمَّ تَدْعُونَ فَلَا يُسْتَجَابُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ وَ عَلَيْكُمْ يَا بَنِيَّ بِالتَّوَاصُلِ وَ التَّبَاذُلِ وَ التَّبَارِّ وَ إِيَّاكُمْ وَ التَّقَاطُعَ وَ التَّدَابُرَ وَ التَّفَرُّقَ‏ وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى‏ وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ‏ حَفِظَكُمُ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَ حَفِظَ فِيكُمْ نَبِيَّكُمْ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ وَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ وَ رَحْمَةَ الله<

ذكر مقتل أمير المؤمنين عليه السلام في ختام وصيته:

قال محمد بن الحنفية :>ثم إنَّ أبي قال: احملوني إلى موضع مُصَلاَّي في منزلي؟ قال: فحملناه إليه وهو مدنفٌ، والناس حوله، وهم في أمر عظيم، وقد أشرفوا على الهلاك، من شدة البكاء والنَّحيب، ثم التفت إلى الحسين عليه السلام وهو يبكي، فقال له :يا أبتاه من لنا بعدك، لا كيومك إلاَّ يوم رسول الله عليه السلام ، يعز والله عليّ ان أراك هكذا، فناداه  عليه السلام وقال :يا حسين يا أبا عبد الله أُدن مني، فدنى منه، وقد قرِحَتْ أجفان عينيه من البكاء، فمسح الدموع من عينيه، ووضع يده على قلبه وقال له :يا بني ربط الله قلبك بالصَّبر، وأجزل لك، ولإخوتك عظيم الأجر، فسكن روعك واهدأ من بكائك، فان الله قد آجرك على عظيم مصابك، ثم أُدخل إلى حجرته   عليه السلام وجلس في محرابه.

بطلة الهاشميين تحضر :

قال: وأقبلت زينب وأم كلثوم   صلى الله عليه وآله وسلم حتى جلستا معه على فراشه، وأقبلتا تندبانه وتقولان: يا أبتاه منْ للصغير حتى يكبر، ومنْ للكبير بين الملأ، يا أبتاه حزننا عليك طويل، وعبرتنا لا ترقى. قال: فضج عليه السلام عند ذلك، وجعل يقلِّب كفه، وينظر إلى أهل بيته وأولاده فصرخت أم كلثوم ونادت: وا أبتاه وا علياه، قال: ثم دعا أمير المؤمنين الحسن والحسين  صلى الله عليه وآله وسلم، وجعل يحضنهما ويقبلهما، ثم أغمي عليه ساعة طويلة وأفاق، فناوله الحسن  عليه السلام قعباً من لبنٍ فشرب منه قليلاً، ثم نحَّاه عن فيه، وقال:احملوه إلى أسيركمقال محمد بن الحنفية: بتنا ليلة عشرين من شهر رمضان مع أبي، وقد نزل السُّم إلى قدميه، وكان يصلي تلك الليلة من جلوس، ولم يزل يوصينا بوصايا يعزينا عن نفسه ويخبرنا بأمره وتبياته إلى حين طلوع الفجر فلمَّا كانت إحدى وعشرين، وأظلم الليل، وهي الليلة الثانية من الكائنة جمع أبي أولاده وأهل بيته وودعهم، ثم قال لهم: الله خليفتي عليكم وهو حسبي ونعم الوكيل، وأوصى الجميع بلزوم الإيمان والأديان والأحكام التي أوصى بها رسول الله   عليهما السلام...، قال محمد بن الحنفية: ثم تزايد ولوج السُّم في جسده الشريف   عليه السلام ، حتى نظرنا إلى قدميه وقد احمرَّتا جميعاً، فكبُر ذلك علينا، وأيسنا منه، ثم أصبح ثقيلاً، فدخل الناس عليه فأمرهم ونهاهم، ثم عرضنا عليه المأكول والمشروب؟ فأبى أن يأكل أو يشرب فنظرنا إلى شفتيه وهما تختلجان بذكر الله تعالى، و بعد أن أكمل والوصية عرق جبين الإمام  عليه السلام ، فجعل يمسح العرق بيده، فقالت ابنته زينب  عليها السلام: يا أبه أراك تمسح جبينك؟ قال: يا بنية سمعت جدك رسول الله   عليهما السلام يقول: إن المؤمن إذا نزل به الموت ودنت وفاته، عرق جبينه وصار كاللؤلؤ الرطب وسكن أنينه. فقامت عليها السلام وألقت بنفسها على صدر أبيها وقالت: يا أبه حدثتني أم أيمن بحديث كربلاء،وقد أحببت أن اسمعه منك. فقال: يا بنية الحديث كما حدثتك أم أيمن، وكأني بك وبنساء أهلك لسبايا بهذا البلد، خاشعين تخافون أن يتخطفكم الناس، فصبراً صبراً.

ثم التفت الإمام  عليه السلام إلى ولديه الحسن والحسين  عليهم السلام وقال: يا أبا محمد ويا أبا عبد الله، كأني بكما وقد خرجت عليكما من بعدي الفتن من ها هنا وها هنا فاصبرا حتى يحكم الله وهــو خيـــر الحاكمين، يا أبا عبد الله أنت شهيد هذه الأمة، فعليك بتقوى الله والصبر على بلائه.

ثم أغمي عليه وأفاق وقال: هذا رسول الله   عليهما السلام ، وعمي حمزة وأخي جعفر وأصحاب رسول الله   عليهما السلام ، كلهم يقولون: عجل قدومك علينا فإنا إليك مشتاقون.
ثم أدار عينيه في أهل بيته كلهم وقال: استودعكم الله جميعاً،حفظكم الله، سدَّدكم الله جميعاً، وهو خليفتي عليكم، وكفى بالله خليفة، ثم قال: وعليكم الســـلام يا رســـل ربي، {لمثل هذا فليعمل العاملون}، {إن الله مع الذين اتقـــوا والذين هـــم محـــسنون}

ومازال  عليه السلام يذكر الله، ويتشهد الشهادتين، ثم استقبل القبلة، وغمض عينيه ومدد رجليه ويديه وقال: أشـــهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً    عليهما السلام عبده ورسوله. ثم قضى نحبه وفاضت روحه الطاهرة، ولقي ربه شهيداً مظلوماً.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*