خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 12 شوال 1438 هـ - موقع مكتب الإمام الخامنئي في سوريا

خطبة الجمعة لسماحة آية الله السيد أبو الفضل الطباطبائي الأشكذري في مصلى السيدة زينب 12 شوال 1438 هـ

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة 12شوال1438هـ

مقام المتقين

أيها الإخوة والأخوات..إنّ الورع والتقوى من أفضل الصفات وأحسنها عند الله عزّ وجلّ، فأهل الورع والتقوى هم من أفضل الناس وأرفعهم مقاماً وأعلاهم درجةً ومنزلة عند الله، وأكثرهم حظوةً بالقرب من الله والجلوس في حضرته يوم القيامة، وقد قال النبي الأعظمصلى الله عليه وآله وسلمبهذا الشأن: >جُلَسَاءُ اللهِ غَدَاً هُمْ أَهْلُ الوَرَعِ وَالزُّهْدِ فِيْ الدُّنْيَا<كنز العمَّال،ج3ص427ح7279. والجلوس في حضرته تعالى ليس معناه القرب المكاني، فهو تعالى جلّ اسمه أرفع شأناًأن يحوطه مكانٌ دون آخر، وإنما المُرَاد بِهِ القُرْب المعنويّمنه تعالى، واكتساب الدرجات المعنوية الموصلة إلى ذلك القرب المؤهِّل إلى الجلوس في حضرته والاقتراب زلفى منه سبحانه، ومن معاني القرب مِنَ الله أيضاً أنَّ مَنْ يتَّق الله يدفع الله عنه كيد عدُوِّه من الجِنِّ والإنْس، ويُسَدِّدْهُ إلى فِعل الخير ما دام ناوياً له، وسَيُخِيْفُ الله منه كلَّ شيئيٍ ما دام مُتَّقياً إيَّاهُ سالكاً درْب هدايته، وبكلمةٍ فإنَّ المُتَّقين وَحْدَهم هُمْ مَنْ يحظون بالجلوس في حضرة البارئي جلَّ وعلا، وهو أَفْضَلُ شَرَفٍ يُمكِنُ تَصَوُّرُهُ، وأرفع منزلةٍ يمكن أنْ ينالها العبْد المُؤمن، وذلك هو معنى الجلوس في حضرته تعالى حسبما جاء في النصوصوفي كلامهصلى الله عليه وآله وسلم:>جُلَسَاءُ اللهِ غَدَاً هُمْ أَهْلُ الوَرَعِ وَالزُّهْدِ…< [نهج الفصاحة:ص431]،الذين ابتعدوا  عن المعاصي واتقوا الله عزَّ وجلَّ.

أيُّها الإخوة والأخوات..إنَّ الجلوس في حضرة الله تعالى شرفٌ لا يُدانيه شَرَفٌ، وهو من علامات الحبِّ لله، فالذي يحبُّ الله يُؤثِر الجلوس إليه دُوْنَ غيْرِهِ، والأنس معه والقُرْبَ منهوالكون في حضرته، وأقربُ مَنْ تنطبق عليهم تلك الصِّفات الكمالية هُمُ الأئمَِّة المعصومون عليهم السلام، فهُم أقربُ الخلق إلى الله وأحبُّهم إليه، وذلك لتقواهم وحبهم وطاعتهم لله، وقيامهم بما كُتِبَ عليهم من الفرائضِ والواجباتِ والأوامر والنَّواهي.. فالمعصوم ولكونه مُتَّقِي فإنَّه لا يرتكبُ المَعاصي ولا يُحدَِّث نفسه بارتكابها، بل هو يَحِثُّ الناس على عدم ارتكابها ويربِّيهم على ذلك، فقد كتب عليٌّ أمير المؤمنين عليه السلامإلى عامله في مِصْرَ مُحَمَّدَ ابن أبي بكر يحثه على التزام التقوى: >فَعَلَيْكَ بِتَقْوَىْ اللهِ فِيْ مَقَامِكَ وَمَقْعَدِكَوسِرِّكَ وَعَلانِيَتِكَ<.تحف العقول،ص>176<، فهو عليه السلام قد أمر عامله محمد بن أبي بكر بتقوى الله في جميع أموره، وأنْ لا يكون كَمَنْ نزل بحقِّه> نُؤمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ<، كما أمرهعليه السلام بالاعتدال والتوسط في كل الأحوال، ذلك لأنَّ أهل التقوى محبوبون عند الله محبوبون عند الناس، قال الصادقعليه السلام: >..وَالمُتَّقِيْ مَحْبُوْبٌ عنِْدَ كُلِّ فَرِيْقٍ<.بحار الأنوار:ج67ص294، فعلينا دائماً أن نكون حريصين على مجالسة المتقين وأهل الخشية من الله، ومشاورتهم والجلوس معهم، كما علينا أنْ نسعى جُهْدَنا لِنكون في زُمْرَةِ الأتقياءِ الصَّالحين وأنْ نُحْشَر معهم في يوم القيامة، >عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَسَنِ بْنِِ الحَسَنِِوَأَحْمَدَ بنِْ عَبْدِ اللهِبْنِ مُوْسَىْ، عَنْ أَبِيْه عليهما السلام عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ أٌمِّي فاطِمَةُ بِنْتَ الحُسَيْنِ تَأْمُرُنِيْ أَنْ أَجْلِسَإِلَىْ خَالِيْ عَلِيَّ بْنِ الحُسَيْنِ، فَمَا جَلَسْتُ إِلَيْهِ قَطُّ إِلاَّ قُمْتُ بِخَيْرٍ قَدْ أَفَدْتُهُ، إمَّأ خَشْيَةٌ للهِ تَحْدُثُ فِيْقَلْبِيْ لِمَا أَرَىْ مِنْ خَشْيَتِهِِللهِ تَعَالَىْ، أَوْ عِلْمَاً قَدْ اسْتَفَدْتُهُ مِنْهُ<.مدينة المعاجز:ج4ص>367<

الخطبة الثانية

أيها الإخوة والأخوات…يطالعنا الأسبوع المقبل حاملاً معه إلينا ذكرى حرب تمُّوز >يوليو<، التي انتصرت فيها المقاومة على>الكَيَان اللَّقِيْط< دُوَيْلَة إسرائيل، وهو نصرٌ لحزب الله ونصرٌ للمقاومة الإسلامية بمعناها الأوسع على قوى الشَّر والبغي والعدوان، وهو من أعظم الانتصارات التي شهدتها البشرية في عصرها الحديث، لعدم تصوُّرهمولفترات طويلةمن تاريخها أنْ يُكتب النَّصْرُ لفئة قليلة العُدَّةِ والعدد على فئةٍ تفوقها عُدَّةً وعدِيْدَا من لدُنْ غزوةِ بدرٍ إلى قيام نهضة عاشوراء على يد الحسين بن علي عليهما السلام مروراً بانتصار الثورة الإسلامية في إيران على أعتى نظام مستكبرٍ في المنطقة وهو شاه إيران وجلاوزته؛ وبالعود إلى الانتصارات التي حقَّقها حزب الله وَحِلْفُ المقاومة على الكيان الصهيوني نَجِدُ أنَّ ذلك الانتصار يرتكز في معظمه على خلفية عَقَدِيَّةٍواجتماعية فضلاً عن الأسباب الطبيعية الأخرى التي انتصرت على أَثَرِها المقاومةبِسبب جودة التنظيم والتدريب والتصميم على النصر والمثابرة على إحرازه والعمل على توفير شروطه ومتطلباته، أمَّا الأسباب الرئيسية التي أدَّت إلى تحقق ذلك النصر المؤزر على دويلة إسرائيل فيمكن تلخيصها في:

أوَّلاً:العقيدة الصَّحِيْحَة، ومعنى ذلك أنَّ مفهوم الجهاد لا ينحصر في العدة والعتاد الحربيّ فحسب، بل هي الحرب مع العقيدة الصَّحيحة وأنَّ المجاهد قبل أن يحارب عدوَّه بسلاحه فإنَّه يُحاربه بعقيدته وعزمه وصلابته أوَّلاً وقبل كل شيء، فالعقيدة الدِّينية والعسكرية إذَنْ هي العنصر الأهم والأبرز في إيديولوجيا المقاومة جنباً إلى جنب مع إيمانها بحقها المشروع في الدفاع عن أرضها ومقدساتها..وهو العنصر الأهم في نجاح المقاومة وانتصاراتها والمكتسبات التي تحققت طيلة عقود من الزمان على يد وسواعد مجاهديها البواسل، فعلى الصَّعيد الديني يعتبر المقاتل في المقاومة الإسلامية مجاهداً صاحبَ إيمانٍ وعقيدةٍ صلبة، وكذلك الذين جاهدوا عدوَّهم في غزوة بدرٍ وفي وقعة كربلاء والمجاهدون إبَّان الثورة الإسلامية في إيران، والمجاهدون في سوريا والعراق…فهؤلاء جميعاً قد حاربوا عدوَّهم بخلفيةٍ إيمانية اعتقادية جهاديَّة لا غبار عليها، وهي السَّبَبُ المباشر في نصرهم وتوفيقهم وعزَّتهم.

ثانياً:القيادة الصالحة، فإنَّ من المعلوم والمُسَّلمُ به لدى البشر جميعاً أنَّ توافر القيادة الصالحة في كلِّ حربٍ ضدَّ قوى الشر والباطل من موجبات النجاح والانتصار، وليس من الضروري أن يكون النصر على العدوِّ عسكرياً دائماً وفي كل الأحوال، بل كثيرا ما يكون على المستويين الرُّوحي والمعنوي، كما في قضية خروج الحسين بن علي عليهما السلام على الطاغية يزيد واستشهاده عليه السلام في كربلاء،فهوعليه السلام وإن لم يكن قد انتصر على جيش يزيد بالمقاييس الحربية المتعارف عليها، إلاَّ أنَّهُ قد انتصر معنويَّاًَ على جند يزيد وبقيت كربلاء جذوةً حيَّة في نفوس المؤمنين الحسينيين تقضُّ مضاجع الطُّغاة على مرَّ الدُّهور والعصور. وإنَّ مثل هذه القيادة الرَّبانية الرَّشيدة قد تجلَّت مُذْ بزوغ فجر الإسلام في شخص النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم محمَّدبن عبد الله، وتجلَّت كذلك في شخص الأئمَّة عليهم السلام، وفي عصرنا الحالي تجلَّت في شخص الولي الفقيه، وهو الرُّبّان الذي يقود هذه الأمَّة في خِضَمِّ تلك الأمواج المتلاطمة من الفتن والحروب إلى برِّ الأمان ومرافئ الطمأنينة.

ثالثاً:وهو مبدأ المحافظة على المقاومة، وهذه العلاقة هي الركيزة الأساسية في انتصار المقاومة على عدوِّها، وينبغي تأسيس مثل هذه العلاقة لدى مختلف أطياف المقاومة في جبهات القتال، بوصف هذه العلاقة من أقوى أسرار النجاح والنَّصر على العدوّ، وذلك اقتداءً- في المقام الأول- بعلاقة النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلمبمن آمن به من المسلمين، وتأسياًبالأئمَّة عليهم السلام وعلاقتهم بأصحابهم وبمن أخلص لهم الوُدَّ والولاء، قال تعالى:{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهَ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظَّاً غَلِيْظَ القَلْبِ لَانْفَضُّوْا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِيْ الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَىْ اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُتَوَكَّلِيْنَ}[سورةآل عمران:الآية>159<].واليوم نلاحظ هذا المصداق واضحاً في العلاقة الوطيدة بين المقاومة وشعبها في سوريا والعراق واليمن والبحرين وإيران، فبالرغم من مضي ست سنوات على الأزمة السورية إلاّ أننا نرى أن العلاقة بين هذا الشعب وقيادته تزداد قوة ومتانة وتلاحماً، وهي الأنموذجللعلاقة الصادقة بين الشعوب وقياداتها الصَّالحة الصَّادقة، وهي مدرسةٌ مستقلةٌ تختلف عن باقي المدارس القتالية الأخرى عقيدةً وأهدافاً وحركةً، تلك العلاقة التي لن تجد قوى البغي والعدوانسبيلاً إلى فَصْمِ عُرَاهَا والإيقاع بين القاعدة وقيادتها مهما أمعنت وتمادت في الكيد لذلك المحور الإلهي الذي سوف يُكتب له النَّصْر المؤزَّر عمَّا قريب في سوريا ولبنان والعراق واليمن والبحرين إن شاء اللهفهو وعدٌ غيرُ مكذوبٍ، يقول تعالى في كتابه العزيز: {كَتَبَ اللهَُلأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِيْ إِنَّ اللهَقَوِيٌّ عَزِيْزٌ} .المُجَادِلة،الآية>21<، وغايةُ ما هو مطلوبٌ أنْ نحافظ على تلك العلاقة الأصيلة المتجذِّرة بين الشعوبوقياداتها المؤمنة بِمَبَادِئِها وتَوَجُّهاتِها وَخِيَارَاتِهَا المصيرية.

تعليق واحد

  1. عبد القادر أحمد حسن إدريس

    الموقع فاعل ونشط ومواكب لمتطلبات العصر والأحداث الراهنة، سيما الثقافية منها والسياسية والاجتماعية..ونحن بدورنا نهنئ الهيأة المشرفة على الموقع ونقدر لهم ما يقومون به من الجهد والمثابرة،ونتمنى لهم التقدم والازدهار والتوفيق فيما يقومون به من توعية للأمة وللمجتمع..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*