خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 19 شعبان 1442 هـ

الخطبة الأولى:

نتابع ما بدأناه عن أسلوب الحياة وفقاً للتعليمات الإسلامية للقرآن العظيم والروايات والأحاديث النبوية الشريفة وكلمات أهل البيت (عليهم السلام)، فقد وصانا النبي (صلى الله عليه وآله) بالتنظيف فقال: “تنظّفوا بكل ما استطعتم فإنّ الله تعالى بنى الإسلام على النظافة ولن يدخلَ الجنةَ إلا كلُّ نظيف” (كنز العمال، 26002)، كذلك نقرأ في كتاب طب النبي (صلى الله عليه وآله) وبحار الأنوار نقرأ هذه الرواية التي اشتهر جزء منها “النظافة من الإيمان، والإيمان مع صاحبه في الجنة” ( بحار الأنوار،ج59، ص291) وقال النبي (صلى الله عليه وآله): “لا تؤووا التراب خلفَ الباب فإنه مأوى الشياطين” (علل الشرائع، ج٢، ص ٥٨٣)، ويؤوِّلُ علماء البيولوجيا المعاصرون كلمة الشياطين بالجراثيم.

إنّ هذا التشديد والتأكيد على النظافة ربى الأجيال الإسلامية بحيث نُقِلَ في التاريخ أن المسلم في الأندلس كان يُعرَف عند المرور بجانبه من رائحة الصابون، وهكذا كان المتوقع من المسلم، والحمد لله على أن الكثير من المسلمين مهتمون بهذا الأمر.

وقد يقول البعض كيف تتحدثون عن آداب النظافة في الأجواء الحالية من انقطاع الكهرباء وندرة الماء الساخن؟ فأقول إنّ هذه الروايات قد قيلت في عصر لم يكن فيه كهرباء ولا مياه وفيرة في أرض الحجاز، فكان النبي يوجه هذه التعليمات لأولئك، ومع شيء بسيط من المتوفر كانوا يهتمون بنظافتهم. وكان النبي (صلى الله عليه وآله) يهتم بنظافته وجماله الظاهري بحيث أنه لو لم يجد مرآة كان يسوّي شعره وهندامه بالنظر في الماء الصافي.

وقد روي أن زرارة بن أعين – وهو من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) المقرّبين- عندما كان يدخل المسجد النبوي الشريف يوم الجمعة بالزي النظيف كان الناس يشيرون إليه بالبنان، وهذا هو الدين الإسلامي الذي نفتخر بانتمائنا إليه.

يقول أمير المؤمنين علي عليه السلام: “نظفوا بيوتكم من حوك العنكبوت فإن تركه في البيت يورث الفقر” (وسائل الشيعة، ج5، ص322)، هذا سر يشير إليه الإمام المعصوم ونحن نتعبد بقوله

ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): “مِنْ أخلاق الأنبياء التنظف” (مكارم الأخلاق، ص40)، ومعلوم أن النظافة تختلف عن الحداثة؛ فقد يظن بعضنا أن النظافة هي نفس الحداثة في الملابس أو ما شابه، إلا أننا نقرأ أنّ الإمام علي (عليه السلام) كان يرقع أثوابه ومع ذلك كان أنظف الناس ثوباً، وقد كان له طمران على حد قوله (عليه السلام) يلبس هذا ويغسل ذاك الأخر وبعدما يجف يلبسه ويغسل ذاك الأول. ويقول الإمام الصادق (عليه السلام): “إن الله تعالى إذا أنعم على عبدٍ نعمةً أحبَّ أن يرى عليه أثرها، قيل وكيف ذلك؟ قال (عليه السلام): ينظِّفُ ثوبهُ ويطيبُ ريحه ويجصّص داره ويكنس أفنيته” (أمالي الطوسي، ص275)، وقد تجلى ذلك في سيرة الإمام علي (عليه السلام) الذي كان يقوم ببعض العمل في داره ويساعد السيدة فاطمة (عليها السلام) في كنس الدار.

ويشير الإمام الصادق (عليه السلام) إلى أمورٍ منها نظافة موضّاه، الذي يشابِهُ الآن المرافق الصحية في المساجد، فلا يقال أن هذه مرافق لا أهمية لتنظيفها، فالذي يريد دخول المسجد يسرُّهُ أن يرى كل شيء جميلاً نظيفاً فهذا يعطيه رغبة في العبادة أكثر، فلنَقُمْ بهذا الفعل تأسياً بالإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في بيوتنا أو مساجدنا.

وقال الإمام الكاظم (عليه السلام): “خمسٌ في السنن وخمسٌ في الجسد، فأما التي في الرأس فالسواك وأخذ الشارب وفَرقُ الشعر والمضمضة والاستنشاق، وأما التي في الجسد فالختان وحلقُ العانة ونتف الإبطين وتقليم الأظفار والاستنجاء” (الخصال، ج1، ص271) ويوصي الطب الحديث بالاستنشاق وقايةً من أمراض الجيوب الأنفية علاوة على أنه ينظف الإنسان، وحول صحة الفم والأسنان يقول النبي (صلى الله عليه وآله): “السواك شطر الوضوء” (من لا يحضره الفقيه، ج1، ص32)، فكأنه جزء من الوضوء سنةً لا فرضاً، فيستحب عندما تريد أن تتوضأ أن تستاك وتنظف أسنانك لأنك تريد أن تتحدث مع ربك، فليكن هذا الفم الذي تجري فيه كلمات مخاطبة ربك نظيفاً، وكذلك سمعتم  حديثاً مشهوراً يقول فيه النبي (صلى الله عليه وآله): “لولا أن أشُّقَّ على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة” (الكافي، ج3، ص22) أي لفرضت عليهم، وفي بعض الأحيان لا يوجد لديك ما تستاك به فماذا تفعل؟ يقول النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: “الأصابع تجري مجرى السواك” (كنز العمال، ج9، 311)، فيمكن أن تحك الأسنان وتغسلها بشيء من الماء وتنظف ولا تترك تنظيف الاسنان.

ولقد كان النبي (صلى الله عليه وآله) أحياناً يخاطب أصحابه بشيء من المؤاخذة فيقول: “مَا لِي أَرَاكُمْ تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحاً مُرْغاً مَا لَكُمْ لاَ تَسْتَاكُونَ” (المحاسن، ج2، ص561)، فيبدو أن روائح أفواههم كانت تؤذي النبي (صلى الله عليه وآله) وقد ورد عن الصادقين (عليهما السلام): “لكل شيء طهور وطهور الفم السواك” (من لا يحضره الفقيه، ج ١، ص ٥٣) هناك آثار إيجابية تترتب على السواك والمسواك وتنظيف الافواه والاسنان الإمام الصادق (ع) يقول في حديث ورد عنه: “فِي السِّواكِ اِثْنتا عشْرة خصْلةً هُو مِن السُّنّةِ و مطْهرةٌ لِلْفمِ و مجْلاةٌ لِلْبصرِ و يُرْضِي الرّحْمن و يُبيِّضُ الْأسْنان و يذْهبُ بِالْحفرِ و يشُدُّ اللِّثة و يُشهِّي الطّعام و يذْهبُ بِالْبلْغمِ و يزِيدُ فِي الْحِفْظِ و يُضاعفُ بِهِ الْحسناتُ و تفْرحُ بِهِ الْملائِكةُ” (الخصال، ص449). فلنذكر بعض من ثواب الاستياك من يبحث عن الثواب فنقول له هذه المثوبة مترتبة على الاستياك يقول النبي (صلى الله عليه وآله) : “ركعتين بِسِواكٍ أحبُّ على الله تعالى من سبعين ركعة بغير سواك” (المحاسن، ج2، ص382)، وفي حديث آخر “مَنِ اسْتَاكَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ وَ مَنِ اسْتَاكَ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ فَقَدْ أَدَامَ سُنَّةَ الْأَنْبِيَاءِ” (جامع الأخبار، ج1، ص58).

أما عن التخليل وهو تنظيف الفم من بقايا الطعام فيقول النبي (صلى الله عليه وآله): “حبذا المتخللون، فقيل: يا رسول الله وما هذا التخلل؟ قال: التخلل في الوضوء، بين الأصابع والأظافير، والتخلل من الطعام، فليس شيءٌ أشدُّ على مَلَكَي المؤمن مِنْ أنْ يَرَيا شيئاً من الطعام في فِيهِ وهو قائمٌ يصلي” (مستدرك الوسائل، ج16، ص317)، ويقول (صلى الله عليه وآله) يقول: تخللوا فإنه ليس شيء أبغض إلى الملائكة من أن يروا في أسنان العبد طعاماً” (مكارم الأخلاق، ص322)، وقال الإمام الحسين (عليه السلام): “كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأمرنا إذا تخللنا أن لا نشرب الماء حتى نتمضمض ثلاثاً” (مكارم الأخلاق، ص153)، ونحن شيعة الإمام الحسين (عليه السلام) فلنتأدب بآدابهم ولنعرف ماذا كانوا يفعلون ونحن نحذو حذوهم، فهل يفيد التخليل؟ يقول الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): “تخللوا على أثر الطعام فإنه مصحة للفم والنّواجِز ويجلب الزرق على العبد” ().  

الخطبة الثانية:

أريد أن أنبه وأشير إلى نقطة أراها مهمة بالنسبة لمجتمعنا وهي وسائل التواصل الاجتماعي والفضاء المجازي، هذا الأمر الذي لا بد منه ونحن نعيش ونرى هذه نعمة التي هي في الوقت عينه سيفٌل ذو حدين؛ فقد تستخدم هذه النعمة للشر كما أن كثيراً من النعم قد تستخدم للحرام والأمثلة كثيرة عندكم، فالله تعالى خلق لنا العنب لنأكله ونصنع منه الخل والزبيب ونستفيد من ما ينفع الجسد، ولكن بعض الناس يستخدمون هذه النعمة لشرٍ ويجعلونها خمراً ويشربون ويضرون بأنفسهم، كما أنهم يخالفون أمر ربهم.

 النعم في الدينا كثيرة فيجب أن نعرف كيف نستخدمها، وهذه نعمة بأنك تقدر أن تفتح جهازك الخلوي وتتحدث مع صديق لك في بلد آخر فيراك وتراه، ولكن نحن نعلم أن وسائل الإعلام العالمية يسيطر عليها مجموعة من أشرار العالم، وهؤلاء يريدون أن يملوا نواياهم على الناس من خلال وسائل التواصل، سواءً أكان عبر الإعلام المكتوب أو المسموع أو المرئي.

هذه الوسائل المتوفرة في متناول الجميع حتى الأطفال يمكن أن تهدد أجيالنا من خلال ما تبثهُ من سموم أشبهُ بسهام إبليس، ورصاص يصوب من قبل الأعداء، فمثلما يصوبون الرصاص المادي على قلوب مجاهدينا ويقتلونهم ويرمون القنابل على رؤوس الأبرياء، يفعلون  مثل ذلك بسلاح ناعم لا تشعر بخشونته.

وللأـسف نحن نجد أن بعض ما يبث يساهم فيه أبناؤنا لا أبناء أعدائنا، فقد يرد إليهم شيء فيعيدون إرساله بصورة عشوائية دون معرفة بالمضمون بل ربما دون قراءة للمنشور، وقد يتهم بريئاً من خلال هذا الإرسال بما لا يليق به.

وأنا أرى – للأسف الشديد – أن بعض أبنائنا يتهمون بعض شرفاء هذه الأمة وكأنهم أعداء، وهكذا يستبدل العدو بالصديق،  وفي المقابل نرى هؤلاء المطبّعين بدؤوا يمدحون اليهود بأنهم إخواننا وما شابه ذلك، فيقولون إخواننا من أهل الكتاب ولا يفكر أحد في أبعاد هذه الكلمات، إذ نجد في القرآن العظيم بأن هؤلاء اليهود أشد الناس عداوة للذين آمنوا فكيف أصبحوا أصدقاء؟

أيها الإخوة، أنتم بحمد لله منتصرون على أعدائكم حيث اجتمع عليكم كل العالم ليغيروا ما كنتم عليه من خط المقاومة وفشلوا، فهل تتوقعون منهم أن يسكتوا بعدما فشلوا؟ هل ينامون عنكم؟ كلا هؤلاء لم يناموا عنكم Pواتقوا فِتنةً لا تصيبَنَّ الذين ظَلَمُوا مِنكُم خَاصَةًO (سورة الأنفال، 25)، فإذا غفلنا عما يحاك لنا فهذه الفتنة ستصيبنا ويحرق الجميع،

أيها الإخوة P وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمO (سورة الأنفال، 26) تتذكرون ماذا حدث بالنسبة لكم في بلد العز والكرامة والمقاومة والصمود فوعة وكفريا حيث حاصركم الأعداء وما كنتم تظنون أنكم ستتخلصون منهم، لكن الله تعالى أنقذكم وكتب النصر لكم، فعلينا أيها الإخوة أن نعتبر من هذه الآيات.

اليوم هو العشرون من شهر شعبان وهو يتزامن مع غزوة بني المصطلق التي انتصر فيها النبي صلى الله عليه وآله من اليهود الذين تجرؤوا بعد هزيمة المسلمين في أُحُدٍ فأجهض هذه الفتنة التي تمثلت في بث الفرقة بين الناس بيد المنافقين يوم قال عبد الله ابن أبي ابن سلول قال ليخرجن الأعز منها الأذل نحن الأعز وسنخرج محمد (صلى الله عليه وآله) من المدينة (هكذا كان يظن) وكذلك حديث الإفك في نفس الفترة حين كالوا أبشع التهم لبعض زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)، وهناك خلاف أنه كانت مارية القبطية أو عائشة، وعلى كل حال كانت هذه التهمة كان موجهة بشكل ما إلى النبي (صلى الله عليه وآله).

لقد استفاد هؤلاء من هذه الأجواء لبث هذه الفرقة بين الناس وأرادوا أن يمزقوا المسلمين المؤمنين وصفوفهم، والله تعالى أنزل على نبيه بالنسبة لقولهم ليخرجن الأعز منها الأذل فقال سبحانه Pولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمونO (سورة المنافقون، 8) وكذلك قال سبحانه بخصوص حادثة الإفك P إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْO (سورة النور، 11) لأنكم عرفتم أن هناك من يحيك هذه الكلمات التي هي كلمات العدو بينكم.

وأنا أحذر الجميع وأنبهكم إلى أن تراقبوا ما ينشر من خلال قنوات التواصل الاجتماعي حتى لا يتهم الأبرياء، ولا يتهم المؤمنون الصادقون بأنهم أعداء

والتفتوا إلى قول الله تعالى Pلكُلِّ امرئٍ مِنهُمْ ما اكتَسَبَ مِنَ الإِثمِ والذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنهُمْ لهُ عذابٌ عَظيمٌO فالذي يترأس هذه الفتنة له عذاب عظيم ولكن الذي ينشر هذه الأكاذيب أيضاً له دور مع أنه لم يكتب هذه الكلمات التافهة والتهم، وبعد ذلك يؤاخذ ويذم المسلمين، يقول الله تعالى (لَولا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمِنونُ والمؤْمِناتُ بِأنفُسِهِمْ خَيراً وَقَالوا هَذا إِفكٌ مُبينO إذ يُلامون لماذا لم يردوا على هذه التهمة ولماذا سكتوا؟ فلنحذر من أن يتغلغل العدو بين أوساطنا خصوصاً بين بعض البسطاء السذج من الناس ببث الكلمات المفرقة، وعلينا ألا تُسمَعَ كلمات الشيطان من ألسنتنا وألا نقول ما يرضي العدو ويفرحُهُ.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.