خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 26 شعبان 1442 هـ

الجمعة 26 شعبان 1442

الخطبة الأولى:

نواصل معكم بحثنا حول أسلوب الحياة وآدابها في الرؤية الإسلامية في القرآن الكريم وأحاديث المعصومين (عليهم السلام)، وربما يقول بعضٌ أنّ هذه الشؤون بسيطة في الحياة فلماذا نصرف الوقت في أن نعلم كيف نهتم بهندامنا وبنظافتنا وصحة جسدنا؟ فالجواب: إنّ هذا الدين الحنيف دينٌ ينظم حياتنا ويعلمنا كيف نعيش وكيف نموت وهذه الدنيا مزرعة الآخرة، فعلينا أن نأخذ التعليمات لحرث الدنيا ممّن خلق هذه الدنيا حتى نحصد في الآخرة أفضل ما يمكن أن نحصد، والدنيا مزرعة الآخرة بالنسبة للاهتمام بالتنظيف والنظافة.

وقد تحدثنا في الأسبوع الماضي عن صحة الفم والأسنان، وفي هذه الخطبة نتحدث عن بعض التعليمات حول تقليم الأظافر والشارب وأخذ الشارب، لنعرف كيف نحافظ على نظافتنا ونتزين بهذه الزينة التي أعطانا الله تعالى.

عندما ندرس في الروايات نجد أن النبي والأئمة (عليهم السلام) كانوا يوصون الرجال تقليم الأظفار وألا يتركوها تطول، ولكن بالنسبة للنساء كانوا يوصون بأن يتركنَ بعض الأظفار لأنها زينة، وبالطبع عليهن أن يحافظن على نظافة الأظفار وأن يحرِصنَ على ألا يبدينها لغير من يحل له النظر إليها لأنها زينة، لكنني أترك هذا للفقهاء لنعرف ماذا يفتون في هذا المجال.

هذه التعليمات للنظافة لها أهمية بحيث أن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقول: “احتبس الوحي عن النبي (صلى الله عليه وآله) فقيل له احتبس الوحي عنك، فقال (صلى الله عليه وآله): وكيف لا يحتبس وأنتم لا تقلِّمون أظفاركم ولا تنقون رواجبكم” (الكافي، ج6، ص492) والرواجب تعني مفاصل الأصابع، فالمكان الذي ينزل فيه الوحي يجب أن يكون نقياً ولو في الظاهر، ولذلك نهتم بنظافة المساجد، ولكننا للأسف الشديد بعض الأحيان ندخل في بعض المساجد فلا نرى أثراً من اهتمام المؤمنين بنظافة مساجدهم.

ولا حاجة لأن يكون هناك موظف بصفة خادم للمسجد، بل على كل المصلين أن يهتموا بتنظيف المساجد، وإذا أمكن أن يخصصوا يوماً في كل شهر للتنظيف العام، ولو كان هذا شيئاً رمزياً ولكنه يلهم روح النظافة والاهتمام بالمساجد، كما يحصل  في إيران في الأيام الأخيرة من شهر شعبان حيث يهتمون بهذا الأمر بشكل خاص إضافة إلى اهتمامهم على مدار السنة بنظافة المساجد، فينظفون ويكنسون ويغسلون استعداداً لشهر رمضان لضيافة الله تعالى.

وبالعودة إلى حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله): “قال للرجال قصوا أظافيركم، وللنساء: اتركنَ مِنْ أظفارِكُنَّ، فإنهُ أَزيَنُ لَكُنَّ” (وسائل الشيعة، ج2، ص134)، ومن له معرفة بالأدب العربي يعرف أن “مِنْ” للتبعيض، يعني: بعض أظفاركن، ولكننا الآن نجد بعض الأبناء يتشبهون بالنساء ويطوّلون أظافرهم.

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “أخذ الشارب من النظافة وهو من السُّنة، الطيِبُ في الشاربِ كرامةٌ للكاتبين، وهو من السُّنة، والدُّهنُ يُليِّنُ البشرة ويزيد في الدماغ والعقل ويسهل موضع الطهور ويذهب بالشعث ويصفي اللون” (تحف العقول، ص100)، يستحب أخذ الشارب لأن الإنسان يأكل وهناك تماس بين الطعام والشارب، وهذا الطعام دسم يلطخ الشارب فإذا كانت قصيرة لا يقع هذا التماس فلا يتلطخ بالطعام وما شابه ذلك

وقوله (عليه السلام) “الطيب في الشارب” يعني أن تتطيب في الشارب، لأنك تتمتع بهذه الرائحة عندما تتنفس من الأنف فهذا يؤثر في الانتعاش وفي السرور.

وقال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) : “إنما قصُّ الأظفارِ لِأنها مَقِيلُ الشيطان، ومنهُ يكون النسيان” (الكافي، ج6، ص490) أي هذا المكان هو مكان الشيطان، عندما تجتمع الأوساخ تحت الظفر هذا يعتبر شيطاناً، وقد سبق أن  قلت لكم أن الأحاديث تعبر عن الأوساخ والملوثات بالشيطان، وهي الجراثيم على حد قول العلماء حالياً، هذه الأوساخ جراثيم تسبب الأمراض لهذا أمرنا الله تعالى – استحباباً لا وجوباً – أي أنه سبحانه يحب أن تقص الأظفار حتى لا تجتمع الأوساخ تحت الظفر.

ويقول (عليه السلام): “ومنه يكون النسيان” ولا نعرف ما العلاقة بين النسيان والظفر الطويل الذي فيه تلويث للجسد فالله أعلم، وعلمنا قياساً لجهلنا قليلٌ جداً وليس عندنا من العلم شيءٌ كثير إلى يوم القيامة، وكما ترون أن بعض الأشياء التي نعرفها الآن لم تكن معروفة قبل قرون أو حتى عقود، فلا نستغرب من علم الإمام (عليه السلام) وهو يتصل بمنبع الوحي، إذ هؤلاء أهل بيت النبوة وهم يعرفون ما لا نعرف، فعندما يخبر المعصوم بأن طول الظفر يسبب النسيان نقبل بكلامه ونتعبد به.

وروى هشام بن سالم عن الإمام أبي عبد الله الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): أنه قال “تقليم الأظفار يوم الجمعة يؤمِنُ من الجُذام والجنون والبرص والعمى فإن لم تحتج فحُكَّها حكاً” (وسائل الشيعة، ج5، ص48)، قد لا تحتاج الأظافر إلى القص ولكن يمكن أن ترتبها للزينة.

وأما بالنسبة للجانب الأخر من الاهتمام بنظافة البدن فهو إزالة الشعر الزائد من البدن في الجسد، فإن لم تُزِل الشعر من بعض المواضع اجتمعت الجراثيم وأثرتْ على رائحتك، مثل تحت الإبطين والعانة وما شابه ذلك، وهنا أقرأ حديثاً لأمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: “نَتفُ الإبطِ يَنفي الرائحةَ المنكرة وهو طهورٌ وسُنّة” (وسائل الشيعة، ج2، ص139)، وبعض الأحاديث تشير إلى إزالة هذا الشعر بالنورة، وهو أفضل من النتف، وقد لا نجد الآن النورة بشكل طبيعي، وإنما هناك كريمات لإزالة الشعر متخذة من النورة نفسها ومخلوطة ببعض المعطرات لتحسين رائحتها، ويقول بعض الأطباء أن الموسى أيضاً تزيل الشعر ولكن النورة تختلف عن الموسى في خصوصية تعقيم الحفر الصغيرة في منبت الشعر.

وعندما يتحدث القرآن العظيم وأهل البيت (عليهم السلام) عن جانب ماديٍ في حياتنا يذكرون جانباً معنوياً روحياً فذلك ليُربونا ويلهمونا بأن أصلكم هو روحكم، وهذا الجسد حاملٌ للروح وفي خدمتها.

وفي حديث آخر عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) في الدعاء عند استعمال النورة: “اللهم طيِّب ما طَهُر مني، وما طَهُرَ طاب مني، وأبدلني شعرا طاهرا لا يعصيك، اللهم تطهَّرتُ ابتغاء سنّة المرسلين، وابتغاء رضوانك، ومغفرتك، فحرِّم شعري وبشري على النار، وطهِّر خَلْقي، وطيِّب خُلُقي، وزكِّ عملي، واجعلني ممن يلقاك على الحنيفية السمحة، ملة إبراهيم خليلك، ودين محمد حبيبك، ورسولك، عاملاً بشرايعك، تابعاً لسنّة نبيّك، آخذاً به متأدباً بحسن تأديبك وتأديب رسولك وتأديب أوليائك، الذين غَذَوتَهُم بأدبك، وزرعت الحكمة في صدورهم، وجعلتهم معادن لعلمك، صلواتك عليهم.  قال (عليه السلام): من قال ذلك إذا أطلى بالنورة، طهّره الله عز وجل من الأدناس في الدنيا، ومن الذنوب، وأبدله شعراً لا يعصيه، وخلق الله بكل شعرة من جسده ملكاً يسبح له إلى أن تقوم الساعة، فإن تسبيحة من تسبيحهم تعدل ألف تسبيحة من تسبيح أهل الأرض” (الكافي، ج6، ص507).

ولعلك تقول ما هي العلاقة بين إزالة الشعر وهذه الكلمات العالية؟ فالجواب أنهم (عليهم السلام) يريدون أن يربونا، كما يربينا الإمام سيد الساجدين (عليه السلام ) فيما قاله للشبلي حول غسل الإحرام: “فحين اغتسلت نويْت أنك اغتسلت من الخطايا والذنوب؟” (مستدرك الوسائل، ج10، ص166)، هكذا يعملنا أهل البيت (عليهم السلام) أن كل شأنٍ ماديٍّ في حياتنا بجانبه شأنٌ ملكوتيٌّ، فالحمد لله الذي رزقنا هذه الشريعة الكاملة التامة التي لها في جميع مجالات حياتنا أوامرُ وتعليماتٌ، وجعلنا الله من المهتمّين بالعمل بهذه التعليمات في حياتنا.

الخطبة الثانية:

نحن نعيش في هذه الأيام ذكريات أحداث، منها الذكرى السنوية لاستشهاد الإمام المجاهد آية الله السيد محمد باقر الصدر وأخته الكريمة بنت الهدى على يد الطاغية صدام، ولا حاجة أن أصف هذا الرجل العظيم في جهاده وفقاهته وفلسفته، فقد كان حكيماً مفسراً ومجاهداً، وكان في جميع المجالات أسوة للشعب العراقي المسلم، وإلى حد الآن بعد اثنين وأربعين عاماً نتألم ونحزن لاستشهاده رضوان الله تعالى عليه، ونشعر بأن هذه الثلمة للآن لم يسدها شيء.

كما عايشنا الذكرى السادسة لصمود الشعب اليمني، الذي استطاع خلال ست سنوات أن يصمد، ولغة الصمود ليست لغة غريبة عنكم أيها الشعب الصامد المؤمن المستقيم الصابر الذي أثبت أن الصمود عن القيم على الأصول ليست لها حصيلة إلا ما وعد الله تعالى ووعده غير مكذوب وسيتحقق إن شاء الله، ويقول الله تعالى P وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا O(سورة الجن، 16)، وإن شاء الله ستسقون هذا الماء الغدق بأكثر من أمن وسلام بل براحة ورفاهية في المستقبل القريب.

وكما تعرفون نحن نعيش في الجمعة الأخيرة من شهر شعبان المعظم، فأقرأُ على مسامعكم رواية عن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا المرتضى (عليه السلام):  ” …عن عبد السلام بن صالح الهروي يعني أبا الصلت قال: دخلتُ على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في آخر جمعة من شهر شعبان فقال لي (عليه السلام): “يا أَبَا الصَّلْتِ إِنَّ شَعْبَانَ قَدْ مَضَى أَكْثَرُهُ وَهَذَا آخِرُ جُمُعَةٍ فِيهِ، فَتَدَارَكْ فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ تَقْصِيرَكَ فِيمَا مَضَى مِنْهُ وَ عَلَيْكَ بِالْإِقْبَالِ عَلَى مَا يَعْنِيكَ، وَأَكْثِرْ مِنَ الدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتُبْ إِلَى اللَّهِ مِنْ ذُنُوبِكَ لِيُقْبِلَ شَهْرُ اللَّهِ إِلَيْكَ وَأَنْتَ مُخْلِصٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا تَدَعْ أَمَانَةً فِي عُنُقِكَ إِلَّا أَدَّيْتَهَا وَلَا فِي قَلْبِكَ حِقْداً عَلَى مُؤْمِنٍ إِلَّا نَزَعْتَهُ، وَلَا ذَنْباً أَنْتَ مُرْتَكِبُهُ إِلَّا أَقْلَعْتَ عَنْهُ، وَاتَّقِ اللَّهَ وَتَوَكَّلَ عَلَيْهِ فِي سِرِّ أَمْرِكَ وَعَلَانِيَتِهِ، Pوَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ قَدْراًO  وَأَكْثِرْ مِنْ أَنْ تَقُولَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ هَذَا الشَّهْرِ: اللَّهُمَّ إِنْ لَمْ تَكُنْ غَفَرْتَ لَنَا فِيمَا مَضَى مِنْ شَعْبَانَ، فَاغْفِرْ لَنَا فِيمَا بَقِيَ مِنْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُعْتِقُ فِي هَذَا الشَّهْرِ رِقَاباً مِنَ النَّارِ لِحُرْمَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ‌” (إقبال الأعمال، ص257)

إن هذا الكلام يدلُّ على أن شهر رمضان بداية السنة بالنسبة إلى السالكين إلى الله تعالى كما يقول العرفاء، فيجب أن نستعد في هذا الشهر ونتدرب حتى ندخل في شهر رمضان، وندخل السنة الجديدة في السلوك إلى الله تعالى، فيقول الإمام الرضا (عليه السلام) إنهُ إنْ كان في ذمتك شيء فعليك أن تبرء ذمتك كأنك في نهاية سنتك، ويؤكد الإمام على الإكثار من قول “اللهم ان لم تكن قد غفرت لنا فيما مضى من شعبان فاغفر لنا فيما بقي منه” فلنكثر من هذا القول كما يوصينا الإمام (عليه السلام)، فإن الله تعالى يعتق في هذا الشهر – يعني شهر شعبان – رقاباً من النار، لماذا؟ لحرمة شهر رمضان، إذ إنّ هذا الشهر هو جارُ شهرِ رمضان، وبفضل شهر رمضان يُعتِقُ الله تعالى رقاباً من النار.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.