خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 5 ذي الحجة 1442 هـ

الجمعة 5 ذي الحجة 1442ه

الخطبة الأولى:

كما يقوم الاستعمار الجديد بغزو أممنا عسكرياً كذلك يقوم بغزوها ثقافياً، ومن عناصر الثقافة – بل أهم ما فيها – هو ديننا، فيعمل هؤلاء على التغلغل في أوساط الأمة بنشر ثقافتهم بشكل صامت وبطيء، بحيث لا نشعر كيف فقدنا ونسينا تاريخنا وحضارتنا، وصرنا نشعر بالخواء والحقارة أمام المستعمرين والمستكبرين، وبعد ذلك يطبق مشاريعه بسهولة وبأيدينا نحن؛ ولا يحتاج إلى الغزو العسكري بل نصبح نحن أياديه وجنوده نعمل له بلا مقابل، هذه هي خطة الشيطان كما يقول الإمام علي (عليه السلام): “اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لأَمْرِهِمْ مِلَاكاً، واتَّخَذَهُمْ لَه أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وفَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ ” (نهج البلاغة، الخطبة 7)، هكذا يدخل الشيطان في قلوبنا حيث يأتي ويربي الناس على هواه حتى يصير الناس يتكلمون بلغة الشيطان، والشيطان يتكلم بلسان هذا الإنسان الذي أصيب به، وكذلك يبطش بيده وينظر بعينه، وهذا فعل شيطان الجن والإنس.

فكونوا على حذر من هؤلاء الشياطين وعلى رأسهم الشيطان الأكبر أمريكا؛ فإنهم هكذا يدخلون في قلوبنا بهدوء بدون أن نشعر أنهم قد تغلغلوا في صدور أولادنا من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، كما نجحوا في بعض البلاد كالعراق – شيئاً ما – وفعلوا ما فعلوا، وبنوا جامعة أمريكية، وبعد سنين سنرى أن منتجات هذه الجامعة ستكون لصالح أمريكا كما فعلوا في أفغانستان.

وعلى كل حال فإنّ هذا الذي نتحدث عنه في صلاة الجمعة كدروس من أساليب الحياة وفق الرؤية الإسلامية، هي خطوة نحو عودتنا إلى حضارتنا الإسلامية، وكذلك الحضارة العربية النجيبة النزيهة؛ لأن الحضارة ترتكز على الأسس العَقَديّة وعلى أمور عقلية وصلت إلينا من خلال الأجيال الماضية وصلت إلينا

فإذا قيل لماذا أطيل الكلام حول اللباس وحول التزين وحول الشؤون الفردية في الروايات وفي الآيات الكريمة، فلأنّ الأعداء إذا وجدوا فراغاً في هذا المجال سيعلمون أولادنا كيف يعيشون ويلبسون ويتحدثون، وكيف يمشون ويتصرفون ويتزوجون، فأردتُ أنْ أنوِّهَ حتى تكونوا على علم لماذا اخترت هذا البحث “دراسة حول أسلوب الحياة في الرؤية الإسلامية”

وصلنا إلى بعض ما كنا نتحدث عنه حول التزين، وأن على المؤمن إذا ظهر في المجتمع أن يكون متهيئاً، لا أن يكون شعثاً غير منتظم.

فيما يتعلق بالشيب فقد نقل الإمام زين العابدين (عليه السلام) عن أبيه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “الشيب نور فلا تنتفوه” (بحار الأنوار، ج73، ص107)، وفي حديث آخر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: “جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله فنظر إلى الشيب في لحيته فقال: نور، ثم قال: من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة، قال: فخضب الرجل بالحناء ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فلما رأى الخضاب قال: نور وإسلام، فخضب الرجل بالسواد فقال النبي صلى الله عليه وآله: نور وإسلام وإيمان، ومحبة إلى نسائكم ورهبة في قلوب عدوكم” (الكافي، ج6، ص480).

وأقرأ لكم حديثاً آخر – وليقرأهُ الرجل لزوجته ذلك- إذ نعلم أنّ على الزوجة أن تهيئ نفسها لزوجها عندما يدخل البيت وتلبس أجمل ثيابها ولكن هناك شيء بالمقابل بالنسبة للرجل أيضاً إذ عليه أن يتهيأ لزوجته لا أن يكون شعثاً أغبرَ ويأتي إلى زوجته، يقول الحسن بن الجهم: “دخلت على أبي الحسن عليه السلام وقد اختضب بالسواد فقلت: أراك قد اختضبت بالسواد فقال: إنّ في الخضاب أجرا والخضاب والتهيئة مما يزيد الله عز وجل في عفة النساء ولقد ترك النساء العفة بترك أزواجهن لهن التهيئة، قال: قلت: بلغنا أن الحناء يزيد في الشيب، قال: أي شيء يزيد في الشيب؟ الشيب يزيد في كل يوم” (الكافي، ج6، ص480)، فالمرأة تريد أن ترى زوجها جميلاً مرتباً وهذا يزيد في عفتها لئلا تنظر إلى الآخرين، وفي تتمة الرواية يسأل الراوي عن أن: الناس يقولون إن الحناء يزيد في الشيب، وأنا لا أريد أن يزيد في شيبي، فيجيب الإمام أنّ الذي يزيد في الشيب هو مرور الأيام.

إذاً نستفيد من كلام الإمام (عليه السلام) أن هناك تكاليف متبادلة في الحياة الزوجية بين المرأة وزوجها، وهكذا يدخل الأئمة (عليهم السلام) في جميع تفاصيل وجزئيات حياتنا بشأن جمالنا.

ويقول الإمام أبو عبد الله الصادق (عليه السلام): “أخذ الشعر من الأنف يُحسِّنُ الوجه” (بحار الأنوار، 73، ص91)، ويقول الرسول (صلى الله عليه وآله): “حُفُّوا الشوارِبَ وأعفُوا اللِّحى ولا تَشَبَّهوا بالمجوس” (وسائل الشيعة، ج2، ص116)، فقد كانوا يرسلون الشوارب ويحلقون اللحى.

وأما الطيب فقد جاء فيه عن الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام): “من أخلاق الأنبياء التنظف والتطيب” (مكارم الأخلاق، ص40)، وكذلك يقول الحسن بن راشد عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام): “كان أبو عبد الله إذا صام تطيب بالطيب ويقول الطيب تحفة الصائم” (الكافي، ج4، ص113) وكما تعرفون أنه يكره للصائم أن يشم النباتات التي فيها رائحة طيبة ولكن الطيب ليس مكروهاً بل مستحب كما يوجد في بعض الرسائل العملية ومنها تحرير الوسيلة للإمام الخميني رضوان الله تعالى عليه. وأهمية التطيب تكمن في أن تفوح منك رائحة طيبة ويميل إخوانك إليك بسببها.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): “ما أنفقت في الطيب فليس بسرف” (مكارم الأخلاق، ص60)، وقد يقال في الظروف الصعبة المعيشية أنت تنصحنا أن نزيد في سلة نفقاتنا شيئاً جديداً وهو الطيب، وأنا أقول أن كثيراً من الناس للأسف الشديد متعودون على التدخين، فإذا خففتَ شيئاً من نفقتك من مؤونة التدخين وبدلاً منه اشتريتَ شيئاً من الطيب يمكن أن تدير حياتك بشكل يرضي النبي وأهل البيت (عليهم السلام).

ويقال أن الإمام كاشف الغطاء (رحمه الله) سُئل: هل تدخن؟ قال كلا، قيل: لماذا؟ قال أسلم عودي وأحفَظُ نقودي، وهذا كلام جميل وفيه حكمة؛ أي أُبقي جسدي سالماً، لأن الجميع يعرفون أنه حتى على علب الدخان مكتوب التدخين يضر بالصحة.

نعم يوم الجمعة له شأن خاص، وفي بعض الأحاديث إذا استطعت استعمل الطيب كل يوم، وإذا لم تستطع ففي كل أسبوع في بعض الأيام، وإذا لم تستطع عليك أن تتطيب يوم الجمعة لأنك تزور إخوانك في الجمعة وهو يوم قد جعله الله تعالى ونبينا محمد (صلى الله عليه وآله) عيداً.

وعن السكوني عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): “ليتطيبْ أحدُكُم يومَ الجُمُعة ولو من قارورة أمرأته” (بحار الأنوار، ج86، ص361)، وعن الرضا (عليه السلام) قال: “كان لعلي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) مشكدانةٌ (قارورة مسك) من رصاص معلّقةٌ فيها مسك، فإذا أراد أن يخرج ولبس ثيابه تناولها وأخرج منها فسمح به” (مكارم الأخلاق، ص2)، وقال الصادق (عليه السلام): “كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينفق على الطيب أكثر مما ينفق على الطعام” (الكافي، ج6، ص512).

ومن الناحية الصحية أيضاً للرائحة الطيبة حيث يقول النبي (صلى الله عليه وآله): “ثلاثة يفرح بهن الجسم ويربو: الطيب ولباس اللين وشرب العسل” (مستدرك سفينة البحار، ج7، ص221)،

وقد وضع الشرع مواصفات لعطر المرأة وعطر الرجل، فقال رسول الله (صلى الله عيه وآله): “طيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه، وطيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه” (الكافي، ج6، ص512) وعن علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (عليه السلام) قال: “سألته عن النساء هل عليهن من الطيب والتزين في الجمعة والعيدين ما على الرجال؟ قال نعم” (قرب الإسناد، ص100)، فللمرأة إذاً عندما تحين الجمعة والعيدان أن تتطيب بالعطر، ولكن هناك أحاديث توضح أن المرأة إذا تطيبت وجب عليها أن تراقب ما لو كان في هذا الطيب مفسدة فتتركه إذا كان كذلك.

الخطبة الثانية

أيها الأخوة نحن على أعتاب يوم عرفة يوم معرفة الإنسان نفسه ومن عرف نفسه فقد عرف ربه، وهو يوم يجب علينا أن نكون فيه منتهزين لهذه الفرصة المباركة، فمن لم يوفق لليالي القدر عليه أن ينتهز فرصة يوم عرفة.

وهناك دعاءٌ للإمام سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) معروف بدعاء عرفة نقرؤه بعد عصر يوم عرفة ونستفيد ونتوب إلى الله تعالى في هذا اليوم.

وقد روى هشام بن الحكم عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) قال: “من لم يغفر له في شهر رمضان لم يغفر له إلى قابل إلا أن يشهد عرفة” (من لا يحضره الفقيه، ج2، ص99)، وقد يدل هذا الحديث في البداية على الحضور في صعيد عرفات في أيام الحج، ولكن يمكن أن نعمم هذا الحكم إلى من يراقب نفسه في يوم عرفة، ولو في بيته وبلده ومدينته وقريته وضيعته.

والحمد الله لغتكم هي العربية وتقدرون أن تفهموا دقائق وظرائف كلام الإمام الحسين (عليه السلام) عندما يناجي ربه من خلال دعاء عرفة، فعليكم أن تستفيدوا من هذا الدعاء الجميل كجميع أدعية أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، فلا يضيع عندكم هذا اليوم المبارك وهذا الدعاء الشريف.

وإن شاء لله سنقوم بقراءة هذا الدعاء يوم عرفة في هذا المصلى والجميع سيقرؤون هذا الدعاء وسيمدون أيديهم إلى الله تعالى ويدعونه لأجل مهاهم مهام الأمة الإسلامية، ولمهامهم الشخصية ولشفاء المرضى، ولأية مشكلة في حياتنا يجب علينا أن ندعو ربنا أن يفتح لنا ويكشف عنا كرباتنا.

قبل 35 عاماً ارتكب النظام السعودي الظالم جريمةً ربما لا يعرفها بعض الإخوة الشباب والأخوات الشابات ولم يسمعوا عن هذه الجريمة، حيث كانت هناك جماعة من الناس يتبرؤون من الشيطان الأكبر (وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) ولأنهم هتفوا الموت لأمريكا الموت لإسرائيل بجانب بيت الله الحرام في هذا البلد الآمن لم يكونوا آمنين، وقد قتلهم جنود آل سعود أبرياء عزل، ولم يكونوا يحملون معهم إلا هتافاتهم وقلوبهم الطيبة التي كانت تنبض لأجل الإسلام، وكانوا يهتفون الموت للشيطان فقتلوا على يد هذه الطغمة المجرمة من الطغاة الذين تلطخ تاريخهم بالجريمة والقتل وما شابه ذلك من الفساد.

لقد قتل هؤلاء المجرمون أكثر من أربعمئة مؤمن صالح كان ينادي “لبيك اللهم لبيك” فنسأل الله أن يحشر هؤلاء الشهداء مع شهداء كربلاء إن شاء الله تعالى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.