خطبة الجمعة لسماحة الشيخ حميد الصفار الهرندي في مصلى السيدة زينب (ع) 12 ذي الحجة 1442 هـ

الجمعة 12 ذي الحجة 1442ه

الخطبة الأولى:

قلنا أن الإنسان في سلوكه له علاقة بنفسه وله علاقة بالآخرين، فبالنسبة لعلاقة الإنسان بنفسه تحدثنا عن جملة أمور، وبقي من بحث علاقة الإنسان بنفسه أشياء مثل سكنه؛ كيف وأين يسكن وكيف يبني مسكنه؟ وكذلك بعض النصائح من الأئمة الأطهار ومن نبينا الأعظم (عليهم الصلاة والسلام) بخصوص السفر؛ متى نسافر وكيف نسافر وماذا نحمل معنا إلى السفر؟ وماذا نقرأ من الأدعية في سفرنا؟ وما إلى ذلك من الآداب، وكذلك بالنسبة لمنامنا؛ متى ننام ومتى نستيقظ وما هي آداب المنام؟

ونبحث الآن فيما يتعلق بعلاقة الإنسان ببني جنسه، وأول ما يجب علينا معرفته هو العلاقة مع الأقارب، وعلى رأس الأقارب ذوو الأرحام.

ولصلة الرحم أهمية كبيرة في القرآن العظيم وفي الروايات، وأهم الرحم هما الوالدان، ولهما من الأهمية بحيث أن الله تعالى عندما يأمر الناس أن يعبدوا ربهم يذكر بعد ذلك الإحسان بالوالدين Pوَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاO (سورة الإسراء، 23).

وكذلك في سورة البقرة حيث يذكر الله تعالى ميثاق بني إسرائيل Pوَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاO (سورة البقرة، 83) فقد كان ميثاق بني إسرائيل أن لا يعبدوا إلا الله وبالوالدين إحساناً.

وكذلك في سورة النساء يقول الله تعالى P وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاO (سورة النساء، 33).

وكذلك في سورة الأنعام يقول الله تعالى Pقُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاO (سورة الأنعام، 151) فيذكر الإحسان للوالدين مع العبادة لله تعالى.

وعن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) يقول: “قال أبو ذر (رض) سمعتُ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: حافَّتا الصراطِ يومَ القيامة الرَّحِمُ والأمانة، فإذا مرَّ الوَصولُ للرَّحِمِ، المؤدِّي للأمانة نَفَذَ إلى الجنة وإذا مرَّ الخائِنُ للأمانة، القَطوعُ للرَّحِمِ لم ينفعه معهما عَملٌ وتكفَّأَ به الصراطُ في النار” (الكافي، ج2، ص152)، والوَصولُ صيغة مبالغة، أي الذي يكثر في الصلة لرحمِهِ، هذا سببٌ أن ينفذَ إلى الجنة، أمّا إذا مرَّ الذي يخون أمانته ويقطع رحمه كثيراً ولا يصله، حتى وهو يصلي ويصوم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويحج ويجاهد ويدفع زكاة ماله ويعمل كل عمل خير، ولكنه كان قطوعاً لرحمه ولم يؤد الأمانة بل خانها لم ينفعه أيُّ عملٍ من هذه الأعمال، وتكفَّئَ به الصراط في النار، و”تكفئ” به أي قَلَبَهُ في النار.

وعن الإمام أبي الحسن الرضا (عليه السلام قال) قال: “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ بِثَلَاثَةٍ مَقْرُونٍ بِهَا ثَلَاثَةٌ أُخْرَى؛ أَمَرَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَمَنْ صَلَّى وَلَمْ يُزَكِّ لَمْ تُقْبَلْ مِنْهُ صَلَاتُهُ، وَأَمَرَ بِالشُّكْرِ لَهُ وَلِلْوَالِدَيْنِ‌ فَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ وَالِدَيْهِ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ، وَأَمَرَ بِاتِّقَاءِ اللَّهِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ فَمَنْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ” (الخصال، 156) فمن لم يشكر والديه لم يحسب شاكراً لله تعالى مع أنه قد يقول ألف مرة “شكراً لله” وهذا لا ينفعه لأنه لم يشكر للوالدين، وأمر الله سبحانه باتقاء الله وصلة الرحم.

وعن الجهم بن الحميد قال: “قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام) يكون لي القرابةُ على غيرِ أمري، أَلَهُم عليَّ حقٌّ؟ قال: نعم، حقُّ الرَّحِمِ لا يقطعُهُ شيءٌ، وإذا كانوا على أمرك كان لهم حقّان: حقُّ الرَّحِمِ، وَحَقُّ الإسلام” (الكافي، ج2، ص157)، وإذا لم يكن القرابة مسلمين فحقُّ الرحم يبقى على حاله، إلا إذا كانوا ممن يحارب الدين كما كان أبو لهب يقاتل النبي (صلى الله عليه وآله) فلا بأس أن يقطع لأنه عدو الله، ولكن إذا كان ممن لا يعتقد بدين الله ولا يقاتل دين الله فلهُ حق عليك وهو حق الرحم، بما أنه أولدك أو بما كان بينكما من وشيجة دماء وقرابة.

ويذكر القرآن العظيم قاطع الرحم ممن ينقض عهد الله تعالى Pالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَO (سورة البقرة، 27) وما أمر الله به أن يوصل هو الرحم، ومن يقطع ما أمر الله به أن يوصل ناقض لعهد الله من بعد ميثاقه، وكذلك في سورة الرعد P وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۙ أُولَٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِO (سورة الرعد، 25).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “الذنوب التي تغيّرُ النعم البغي، والذنوب التي تورث الندم القتل، والتي تنزل النقم الظلم، والتي تهتك الستور شرب الخمر، والتي تحبس الرزق الزنا، والتي تعجل الفناء قطيعة الرحم، والتي ترد الدعاء وتظلم الهواء عقوق الوالدين” (بحار الأنوار، ج73، ص374) فنحن نقرأ في دعاء كميل اللهم اغفر لي الذنوب التي تغير النعم، فإذا ابتلي قاطع الرحم بموت فجأة فلا يلومن إلا نفسه، فهذا عمله، كما أنّ صلة الرحم في المقابل تزيد في العمر، على حد قول الأئمة (عليهم السلام) في روايات كثيرة.

الخطبة الثانية:

نحن نعيش في أجواء عيد الأضحى، عيد التضحية لله تعالى، فأقرأ آيات من الذكر الحكيم من سورة الصافات تذكر لنا قصة ورمزية هذه التضحية.

قال تعالى P فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ Q فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينO هذا الغلام الحليم هو إسماعيل (عليه السلام) الذي كان سيد الأنبياء إبراهيم (عليه السلام) يترقب ولادته، فلما بلغ معه السعي أي بلغ رشده بحيث بدأ السعي في المجتمع وكان شاباً ونشاطه الاجتماعي يبدأ من هذا السن، في ذلك الحين يذكر النبي إبراهيم (عليه السلام) لابنه أنه رأى في المنام أنه يذبحه، والولد يعرف أن والده نبيٌّ ومنامات الأنبياء حقيقة ووحي، فيعرف أن هذا أمر من الله تعالى لنبي الله إبراهيم، فجيب إسماعيل على الفور Pيَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينO ويستعد الولد والوالد.

Pفَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِO أي فلما أسلم إبراهيم وإسماعيل (عليهما السلام) لأمر الله، بعد أن كان إبراهيم يشتاق ليوم يرى ترعرع إسماعيل ويراه شاباً بهذا الجمال، يأمره الله تعالى بذبحه، هذا كبيرٌ على إبراهيم ولكن أكبر شيء عنده وأعظم شيء أمر الله تعالى، فلما أسلم هذا الولد وهذا الأب “وتله للجبين” أي جعل جبين إسماعيل على الأرض كأنه لم يكن يريد أن يرى وجه ولده لئلا يهيّج إحساسه الأبوي، وكان مستعداً لتنفيذ أمر الله تعالى.

Pوَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَO يبدو أنه أخذ سكيناً حاداً وكان السكين إذا مرَّ على حلقوم ابنه لا يقطع بأمر من الله تعالى، فجاء النداء: يا إبراهيم إن هذه الرؤية كانت أمراً وأنت طبقت هذا الأمر، ولكن أعلم يا إبراهيم أن هذا هو البلاء المبين، بلاء واضح وامتحان إلهي.

Pوَفَدَينَاهُ بِذِبحٍ عَظيمO فأنزل الله له كبشاً ليذبحه بدلاً من إسماعيل، وهكذا أصبحت الأضحية، ونحن إلى حد الآن نذبح الكبش أو غيره، ومعناه التضحية للعقيدة.

Pوَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ Q سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ Q كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ Q إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَO لقد كان إبراهيم عبداً مؤمناً جاهزاً لتنفيذ أمر مولاه، ونحن نتعلم دائماً من هذه التضحية أن علينا أن نكون مستعدين لأي تضحية.

وأذكر هنا عوائل الشهداء الذين ضحوا بأنفَسِ ما عندهم وهم أولادهم أفلاذ أكبادهم، هؤلاء اقتدوا بإمامهم سيد الشهداء (عليه السلام) حفيد إسماعيل وحفيد إبراهيم (عليهما السلام)، حيث أنه لم يفدى به ذبحاً، بل ذُبح عطشاناً.

لقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يحب ولده علياً الأكبر (عليه السلام) كثيراً، فقال عند بروزه للقتال “قد برز إلى القوم أشبه الناس برسول الله خُلقاً وخَلقاً ومنطقاً وكنا إذا اشتقنا لرسول الله نظرنا إليه” هذا إسماعيل ولكنه إسماعيل الحسين (عليه السلام) قد ذبح عطشاناً أمام والده الحسين (عليه السلام).

ولهذا كان لكربلاء شأنٌ عظيمٌ في التضحية، فأصبح شهداء كربلاء رمز التضحية، ونحن تعملنا من هؤلاء التضحية، فعلينا أن نكون مستعدين للتضحية حتى يمكن أن نسمي أنفسنا شيعة الحسين (عليه السلام) وشيعة أمير المؤمنين (عليه السلام).

أيها الأخوة لقد بذل هؤلاء أنفس ما كانوا يملكونه، وأورثوا شعبهم ووطنهم الغالي الحرية والأمان، وكلّفونا نحن الغابرين بالحفاظ على إنجازاتهم والوقوف في وجه المستعمرين، وأن لا نمل ولا نتهاون عن مواصلة دربهم، فكيف نستغل لا سمح الله هذه الدماء لمصالحنا المادية؟ وكيف ننسى ما عانوه لتحسين حياتنا؟

أوجِّهُ خطابي إلى الذين لا يكترثون بمعاناة هذا الشعب المضحي المخلص من ضيق العيش والغلاء ولا يهتمون إلا لأنفسهم: أيها التجار أيها البائعون، أنصِفوا في معاملاتكم، وارحموا زبائنكم يرحمْكُم الله، إنّ البائع الذي يؤجج الغلاء يتصرف لصالح الأمريكان وينسجم معهم، لأنهم من خلال قانون قيصر يريدون التضييق الاقتصادي على الشعب السوري، حتى ينهكوه ويتعبوه ويفرضوا عليه الاستسلام والرضوخ للظلمة والمستكبرين.

علينا أن نكون متعاضدين، وأن نرحم بعضنا، وعلى جميع الجهات المعنية أن يعرفوا قدر هؤلاء المؤمنين المضحين، وأن يقدِّروا هذا الشعب الذي ضحى بكل نفيس، وأن يخدموه إن شاء الله.

علينا أن نضحي بهوى أنفسنا، علينا أن نكون جاهزين لأن نذبح هوى أنفسنا وحرصنا على المال والطمع في الدنيا، علينا أن نكون هكذا حتى لا نخجل أمام هؤلاء الشهداء وعوائلهم، طوبى لهم وحسن مآب.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

The maximum upload file size: 2 MB. You can upload: image, document.